


عدد المقالات 123
كان من صفات الصِّدِّيق التي تميَّز بها: الجرأة، والشَّجاعة، فقد كان لا يهاب أحداً في الحقِّ، ولا تأخذه لومة لائم في نصرة دين الله، والعمل له، والدفاع عن رسوله (ﷺ)، فعن عروة بن الزُّبير، قال: سألت ابن عمرو بن العاص بأن يخبرني بأشدِّ شيءٍ صنعه المشركون بالنبيِّ (ﷺ)، فقال: بينما النبيُّ (ﷺ) يُصلِّي في حجر الكعبة، إذ أقبل عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبيِّ (ﷺ) وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: 28] (البخاري، رقم: 3856).
وفي رواية أنسٍ ـ رضي الله عنه ـ أنَّه قال: لقد ضربوا رسول الله (ﷺ) مرَّةً حتى غُشي عليه، فقام أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ فجعل ينادي: ويلكم! أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله (العدوي، 1995، ص 37)؟!.
وفي حديث أسماء: فأتى الصَّريخ إلى أبي بكرٍ، فقال: أدرك صاحبك، قالت: فخرج من عندنا وله غدائر أربع، وهو يقول: ويلكم، أتقتلون رجلاً أنْ يقول ربي الله؟! فلهوا عنه، وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكرٍ، فجعل لا يمسُّ شيئاً من غدائره إلا رجع معه (ابن تيمية، ص 3/4) (فتح الباري، ص 7/169).
وأمّا في حديث عليِّ بن أبي طالبٍ ـ رضي الله عنه ـ فقد قام خطيباً، وقال: يا أيُّها الناس! من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أميرَ المؤمنين! فقال: أمّا إنِّي ما بارزني أحدٌ إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، إنّا جعلنا لرسول الله (ﷺ) عريشاً، فقلنا: من يكون مع رسول الله (ﷺ) لئلا يهوي عليه أحدٌ من المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحدٌ إلا أبو بكر شاهراً بالسَّيف على رأس رسول الله (ﷺ)، لا يهوي إليه أحدٌ إلا أهوى إليه! فهذا أشجع النَّاس. قال: ولقد رأيت رسول الله، وأخذته قريشٌ، فهذا يحاذه، وهذا تلتلة، ويقولون: أنت جعلت الآلهة إلـهاً واحداً، فوالله ما دنا منه أحدٌ إلا أبو بكرٍ، يضرب، ويجاهد هذا، ويتتل هذا، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟! ثمَّ رفع عليٌّ بردةً كانت عليه، فبكى حتّى اخضلَّت لحيته، ثمَّ
قال: أنشُدكم الله: أمؤمن آل فرعون خيرٌ أم هو؟ فسكت القوم، فقال عليٌّ: فوالله لساعة من أبي بكرٍ خيرٌ من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون! ذاك رجلٌ يكتم إيمانه، وهذا رجلٌ أعلن إيمانه (ابن كثير، 1988، ص3/ 271-272).
هذه صورةٌ مشرقةٌ تبيِّن طبيعة الصِّراع بين الحقِّ والباطل، والهُدى والضَّلال، والإيمان والكفر، وتوضِّح ما تحمَّله الصِّدِّيق من الألم والعذاب في سبيل الله تعالى، كما تعطي ملامح واضحةً عن شخصيته الفذَّة، وشجاعته النادرة التي شهد له بها الإمامُ عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ في خلافته؛ أي: بعد عقودٍ من الزَّمن، وقد تأثَّر عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ حتى بكى، وأبكى.
إنَّ الصِّدِّيق ـ رضي الله عنه ـ أوَّلُ من أُوذي في سبيل الله بعد رسول الله (ﷺ)، وأوَّل من دافع عن رسول الله، وأوَّل من دعا إلى الله (ابن قاسم، 1996، ص 29-32)، وكان الذِّراع اليمنى لرسول الله (ﷺ)، وتفرَّغ للدَّعوة، وملازمة رسول الله، وإعانته على من يدخلون الدَّعوة في تربيتهم، وتعليمهم، وإكرامهم، فهذا أبو ذرٍّ ـ رضي الله عنه ـ يقص لنا حديثه عن إسلامه؛ ففيه: (... فقال أبو بكرٍ: ائذَن لي يا رسول الله في طعامه الليلة، وأنه أطعمه من زبيب الطائف (اليحيى، 1996، ص 156). وهكذا كان الصِّدِّيق في وقوفه مع رسول الله يستهين بالخطر على نفسه، ولا يستهين بخطرٍ يصيب النبيَّ (ﷺ) قلَّ أو كثر حيثما رآه واستطاع أن يذود عنه العادين عليه، وإنَّه ليراهم آخذين بتلابيبه فيدخل بينهم وبينه، وهو يصيح بهم: ويلكم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: 28] فينصرفون عن النبيِّ وينحون عليه يضربونه، ويجذبونه من شعره، فلا يدعونه إلاَّ وهو صديع) (العقاد، ص 87).
إذا كانت مهمة الاستخلاف قد بدأت مع آدم عليه السلام ببناء الإنسان المؤهل لحمل الأمانة، فإن دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام نقلت هذا المعنى إلى طور جديد؛ إذ تحولت العقيدة على يديه من مواجهة للوثنية...
الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله...
لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...