


عدد المقالات 109
اهتمّ عمرُ بنُ عبد العزيز رحمه الله بتفعيل مبدأ الشورى في خلافته، ومن أقواله في الشورى: «إنَّ المشورةَ والمناظرةَ بابُ رحمةٍ، ومفتاحُ بركةٍ، لا يضلُّ معهما رأيٌ، ولا يفقدُ معهما حزم». وكان أول قرارٍ اتخذه عمر بعدما وَلِيَ أمرَ المدينة للوليد بن عبد الملك، يتعلق بتطبيق مبدأ الشورى وجعلهِ أساساً في إمارته، حين دعا فقهاء المدينة وكبار علمائها، وجعل منهم مجلساً استشارياً دائماً (النموذج الإداري والمستخلص من إدارة عمر، محمد القحطاني، ص 285). فعندما جاء الناسُ للسلام على الأمير الجديد بالمدينة وصلى، دعا عشرةً من فقهاء المدينة وهم: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأخوه عبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت، فدخلوا عليه وجلسوا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «إني دعوتُكم لأمرٍ تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعواناً على الحق، إنّي لا أريدُ أن أقطعَ أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضرَ منكم، فإن رأيتُم أحداً يتعدّى، أو بلغكم عن عاملٍ لي ظُلامة فأحرِّج الله على منْ بلغه ذلك إلا أبلغني» (موسوعة فقه عمر بن عبد العزيز، قلعجي ص 548)، فقد أحدثَ عمر بن عبد العزيز مجلساً، حدّد صلاحياته بما يلي: 1 ـ أنهم أصحابُ الحقِّ في تقرير الرأي، وأنَّه لا يقطعُ أمراً إلا برأيهم، وبذلك يكون الأميرُ قد تخلّى عن اختصاصاته إلى هذا المجلس، الذي نسمّيه مجلسَ العشرة. 2 ـ أنّه جعلهم مفتّشين على العمل، ورقباء على تصرّفاته، فإذا ما اتصل بعلمهم أو بعلم أحدهم أنَّ عاملاً ارتكبَ ظلامة، فعليهم أن يبلّغوه، وإلا فقد استعدى الله على كاتم الحق. ونلاحظ كذلك أنّ هذا التدبير قد تضمن أمرين: 1- أنَّ الأميرَ عمر بن عبد العزيز لم يخصِّصُ تعويضاً لمجلس العشرة، لأنّهم كانوا من أصحاب العطاء، وبما أنّهم فقهاء، فما ندبهم إليه داخلٌ في صلب اختصاصهم. 2- أنّ عمر افترض غيابَ أحدهم عن الحضور لعذرٍ من الأعذار، ولهذا لم يشترط في تدبيره حضورهم كلهم، وإنّما قال: «أو برأي مَنْ حضرَ منكم» (نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ظافر القاسمي، 1/562). أن هذا المجلس كان يستشار في جميع الأمور دون استثناء. ونستنتج مِنْ هذا أهمية العلماء الربانيين وعلوَّ مكانتهم، وأنَّه يجبُ على صاحب القرار أن يدنيهم ويقرّبهم منه، ويشاورهم في أمور الرعية، كما أن على العلماء أن يلتفّوا حول الصالح من أصحاب القرار من أجل تحقيق أكبر قدرٍ ممكن من المصالح، وتقليل ما يمكن من المفاسد. وكان خطابه رحمه الله عندما تولّى الخلافةَ الآتي: «»أيها الناس، إنِّي قد ابتليتُ بهذا الأمر، من غيرِ رأيٍ كان منِّي فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة مِنَ المسلمين، وإنِّي قد خلعتُ ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم»». فصاح الناسُ صيحةً واحدةً: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك، فتوَّل أمرَنا باليُمْنِ والبركة. وبذلك خرج عمرُ من مبدأ توريثِ الولاية، الذي تبنّاه معظم خلفاء بني أمية إلى مبدأ الشورى والانتخاب، ولم يكتفِ عمرُ باختياره ومبايعة الحاضرين له، بل اهتم برأي المسلمين في الأمصار الأخرى ومشورتهم. وقد كتبَ إلى الأمصار الإسلامية فبايعتْ كلَّها، وممن كتب لهم يزيد بن المهلب يطلبُ إليه البيعة بعد أنْ أوضحَ له أنّه في الخلافة ليسَ براغبٍ، فدعا يزيدُ الناس إلى البيعة فبايعوا، وبذلك يتّضح أنّه لم يكتفِ بمشورةِ مَنْ حوله، بل امتدَّ الأمرُ إلى جميع أمصار المسلمين. ونستنتج من موقف عمر هذا ما يلي: 1 ـ أنَّ عمرَ كشف النقابَ عن عدمِ موافقةِ الأصول الشرعية في تولِّي معظمِ الخلفاء الأمويين. 2 ـ حرصَ عمر على تطبيق مبدأ الشورى في أمرٍ يخصُّه هو أولاً، ألا وهو تولّيه الخلافة. 3 ـ أنَّ مَنْ طبَّق مبدأ الشورى في أمرٍ مثل تولي الخلافة حريٌّ بتطبيقه فيما سواه. وقد حرص عمر على إصلاح بطانته لمّا تولى الخلافة، فقرّب إلى مجلسه العلماء وأهل الصلاح، وأقصى عنه أهلَ المصالح الدنيوية، والمنافعَ الخاصة.
تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...
تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...
تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...
ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...
يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...
عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة،...
وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد...
يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي...
يمثل مشهد خروج نبي الله نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين بعد الطوفان لحظة فارقة في تاريخ البشرية، إذ يؤذن ببدء مرحلة جديدة من مسيرة الإنسان على الأرض. وقد تجلى هذا المشهد في قوله...
كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه ـ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بجمع القرآن، حيث...
الاستغفار من أعظم أبواب الرحمة والبركة التي دلّ عليها القرآن الكريم، وقد جعله الله سببًا لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا قبل الآخرة، وتبرز دعوة نوح عليه السلام لقومه نموذجًا واضحًا لارتباط التوبة بنزول الغيث، وزيادة...
قيامُ الليل في شهرِ رمضانَ المبارك عبادةٌ جليلة، تتجلّى فيها معاني الإيمان الصادق والخشوع والأنس بالله تعالى، وإذا كان قيام الليل مشروعًا في سائر العام، فإن له في رمضان خصوصيةً أعظم، إذ يجتمع فيه شرف...