


عدد المقالات 125
اهتمّ عمرُ بنُ عبد العزيز رحمه الله بتفعيل مبدأ الشورى في خلافته، ومن أقواله في الشورى: «إنَّ المشورةَ والمناظرةَ بابُ رحمةٍ، ومفتاحُ بركةٍ، لا يضلُّ معهما رأيٌ، ولا يفقدُ معهما حزم». وكان أول قرارٍ اتخذه عمر بعدما وَلِيَ أمرَ المدينة للوليد بن عبد الملك، يتعلق بتطبيق مبدأ الشورى وجعلهِ أساساً في إمارته، حين دعا فقهاء المدينة وكبار علمائها، وجعل منهم مجلساً استشارياً دائماً (النموذج الإداري والمستخلص من إدارة عمر، محمد القحطاني، ص 285).
فعندما جاء الناسُ للسلام على الأمير الجديد بالمدينة وصلى، دعا عشرةً من فقهاء المدينة وهم: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأخوه عبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت، فدخلوا عليه وجلسوا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «إني دعوتُكم لأمرٍ تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعواناً على الحق، إنّي لا أريدُ أن أقطعَ أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضرَ منكم، فإن رأيتُم أحداً يتعدّى، أو بلغكم عن عاملٍ لي ظُلامة فأحرِّج الله على منْ بلغه ذلك إلا أبلغني» (موسوعة فقه عمر بن عبد العزيز، قلعجي ص 548)، فقد أحدثَ عمر بن عبد العزيز مجلساً، حدّد صلاحياته بما يلي:
1 ـ أنهم أصحابُ الحقِّ في تقرير الرأي، وأنَّه لا يقطعُ أمراً إلا برأيهم، وبذلك يكون الأميرُ قد تخلّى عن اختصاصاته إلى هذا المجلس، الذي نسمّيه مجلسَ العشرة.
2 ـ أنّه جعلهم مفتّشين على العمل، ورقباء على تصرّفاته، فإذا ما اتصل بعلمهم أو بعلم أحدهم أنَّ عاملاً ارتكبَ ظلامة، فعليهم أن يبلّغوه، وإلا فقد استعدى الله على كاتم الحق.
ونلاحظ كذلك أنّ هذا التدبير قد تضمن أمرين:
1- أنَّ الأميرَ عمر بن عبد العزيز لم يخصِّصُ تعويضاً لمجلس العشرة، لأنّهم كانوا من أصحاب العطاء، وبما أنّهم فقهاء، فما ندبهم إليه داخلٌ في صلب اختصاصهم.
2- أنّ عمر افترض غيابَ أحدهم عن الحضور لعذرٍ من الأعذار، ولهذا لم يشترط في تدبيره حضورهم كلهم، وإنّما قال: «أو برأي مَنْ حضرَ منكم» (نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ظافر القاسمي، 1/562).
أن هذا المجلس كان يستشار في جميع الأمور دون استثناء.
ونستنتج مِنْ هذا أهمية العلماء الربانيين وعلوَّ مكانتهم، وأنَّه يجبُ على صاحب القرار أن يدنيهم ويقرّبهم منه، ويشاورهم في أمور الرعية، كما أن على العلماء أن يلتفّوا حول الصالح من أصحاب القرار من أجل تحقيق أكبر قدرٍ ممكن من المصالح، وتقليل ما يمكن من المفاسد.
وكان خطابه رحمه الله عندما تولّى الخلافةَ الآتي: «»أيها الناس، إنِّي قد ابتليتُ بهذا الأمر، من غيرِ رأيٍ كان منِّي فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة مِنَ المسلمين، وإنِّي قد خلعتُ ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم»». فصاح الناسُ صيحةً واحدةً: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك، فتوَّل أمرَنا باليُمْنِ والبركة.
وبذلك خرج عمرُ من مبدأ توريثِ الولاية، الذي تبنّاه معظم خلفاء بني أمية إلى مبدأ الشورى والانتخاب، ولم يكتفِ عمرُ باختياره ومبايعة الحاضرين له، بل اهتم برأي المسلمين في الأمصار الأخرى ومشورتهم.
وقد كتبَ إلى الأمصار الإسلامية فبايعتْ كلَّها، وممن كتب لهم يزيد بن المهلب يطلبُ إليه البيعة بعد أنْ أوضحَ له أنّه في الخلافة ليسَ براغبٍ، فدعا يزيدُ الناس إلى البيعة فبايعوا، وبذلك يتّضح أنّه لم يكتفِ بمشورةِ مَنْ حوله، بل امتدَّ الأمرُ إلى جميع أمصار المسلمين.
ونستنتج من موقف عمر هذا ما يلي:
1 ـ أنَّ عمرَ كشف النقابَ عن عدمِ موافقةِ الأصول الشرعية في تولِّي معظمِ الخلفاء الأمويين.
2 ـ حرصَ عمر على تطبيق مبدأ الشورى في أمرٍ يخصُّه هو أولاً، ألا وهو تولّيه الخلافة.
3 ـ أنَّ مَنْ طبَّق مبدأ الشورى في أمرٍ مثل تولي الخلافة حريٌّ بتطبيقه فيما سواه.
وقد حرص عمر على إصلاح بطانته لمّا تولى الخلافة، فقرّب إلى مجلسه العلماء وأهل الصلاح، وأقصى عنه أهلَ المصالح الدنيوية، والمنافعَ الخاصة.
قبل سنوات قليلة لم يكن الناس يعرفون شيئاً عما يجري في الآماد البعيدة من السماء، فقد كانت أدوات الرصد عندهم محدودة المدى، تدرك وجود الكواكب، وتدرك وجود المجرات في السماء، وتقدر أنها تبلغ الملايين عداً،...
تمضي دعوة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) في القرآن الكريم مسيرة واحدة، تتجدد فيها حقيقة التوحيد، وتتسع معها ميادين الإصلاح؛ فمن بناء الإنسان والأسرة تنتقل إلى تحرير الشعوب، وإقامة العدل، وضبط السلطة، وإدارة القوة، حتى تكتمل...
إذا كانت مهمة الاستخلاف قد بدأت مع آدم عليه السلام ببناء الإنسان المؤهل لحمل الأمانة، فإن دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام نقلت هذا المعنى إلى طور جديد؛ إذ تحولت العقيدة على يديه من مواجهة للوثنية...
الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله...
لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...