


عدد المقالات 117
هو الإمامُ والمجتهد الكبير، بحر العلوم، وجامع الفنون، وإمام المذهب الظَّاهريِّ وأبرز أعلامه، الفقيه الحافظ، الأديب الوزير، المؤرِّخ الناقد، العالم الموسوعيُّ، صاحب التَّصانيف الباهرة والأقوال الظَّاهرة، أجمعَ أهلِ الأندلس قاطبةً لعلوم الإسلام، وأوسعَهُم معرفةً، مع توسُّعه في علم اللِّسان، ووفور حظِّه من البلاغة، والمعرفة بالسِّيَر والأخبار، الإمام أبو محمَّدٍ عليُّ بن أحمد بن سعيد بن حزمٍ الأندلسيُّ، الشَّهير بابن حزم الظاهري. أولاً: مولده اسمه ونسبه: هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد. ولد أبو محمد قبل طلوع الشمس، آخر ليلة الأربعاء آخر يوم من شهر رمضان من سنة (٣٨٤هـ)، وقد كانت ولادته بقرطبة. ويرى معظم من ترجم له أنه فارسي الأصل، وأن جده الأقصى يزيد هو أول من أسلم من أجداده، وأنه مولى ليزيد بن أبي سفيان. ووصف الحافظ الذهبي (رحمه الله) نشأة ابن حزم فقال: «نشأ في تنعم ورفاهية، ورزق ذكاء مفرطاً، وذهناً سيالاً، وكتباً نفيسة كثيرة»، وهذا يحدد العوامل المساعدة لابن حزم على تلقي العلم، من غنىً يتيح له التفرغ لطلب العلم إلى ذكاءٍ متوقد وحافظة قوية، إلى مكتبة ينهل منها. وقد اتجه ابن حزمٍ في بداية أمره إلى دراسة الفقه المالكي، باعتباره المذهب السائد بالأندلس، فقد ثبتَ عنه أنه درس الموطأ على أبي عبد الله بن دحون، فبدأ بدراسته نحو ثلاثة أعوام وبدأ بالمناظرة، ثم انتقل بعد ذلك (رحمه الله) إلى مذهب محمد بن إدريس الشافعيّ، وناضل عن مذهبه وانحرف عن مذهبِ سواه، حتى وسم به ونسب إليه (معجم الأدباء، مرجع سابق، ج4 ص1652). ويبدو أنه وجد في المذهب الشافعي ما يتماشى مع منهجه في تعظيم النصوص، والتمسك بها، فانتقل إليه وتبناهُ. إلا أن هذا الانتقال سرعان ما تبعهُ انتقال آخر إلى المذهب الظاهري، وكان آخِرَ ما استقر عليه في حياته، يقول ياقوت الحموي: «ثم عدل في الآخر إلى قول أصحاب الظاهر مذهب داود بن علي ومن اتبعه من فقهاء الأمصار، فنقّحه ونهجه وجادل عنه ووضع الكتب في بسطه وثبت عليه إلى أن مضى لسبيله» (معجم الأدباء، مرجع سابق، ج4 ص1655). ومن المعروف أن أبا محمد بن حزم كان موسوعي الثقافة، متعدد جوانب المعرفة، فهو الفقيه والأصولي التحرير، وهو المحدث المدقق، وهو المنطقي البارع، وهو اللغوي، وهو الشاعر المجيد، وهو المؤرخ الأمين، وهو التربوي والمربي الدارس لأغوار النفس، والمدرك لحقيقتها بحسب الطاقة البشرية، إلى غير ذلك. وعرف ابن حزم بالمحدث عند مترجميه، فقد وصفه ابن ماكولا بأنه: «حافظاً للحديث مصنفاً فيه» (جذوة المقتبس، للإمام عبد الله الحميدي، ص308). وهو محدث كبير وقد كان من عادته في كتبه نقد الأحاديث التي يرويها بسنده، بذكر الكلام في رواتها، ولا شك أن هناك عدداً لا يستهان به قد تكلم فيه ابن حزم في كتبه جرحاً وتعديلاً، وقد أغرى هذا المعاصرين على جمع الرواة الذين تكلم فيهم ابن حزم، فكان عددهم ثمانين رجلاً، ولا شك أن هذا عدد لا يستهان به لرجل ناقد تكلم فيما يقارب ألف رجل (ابن حزم خلال ألف عام، مرجع سابق، ج4 ص8). - ابن حزم الفقيه: بنى ابن حزم اجتهاده على أصول محددة، قد نص عليها في كتبه في الأصول، وقد اعتمد عليها في كتابه (المحلى)، يقول أبو محمد بن حزم (رحمه الله): «لا يحل لأحد أن يفتي، ولا أن يقضي، ولا أن يعمل في الدين إلا بنص قرآن، أو نص حكم صحيح عن رسول الله، أو إجماع متيقن من أولي أمر منا لا خلاف فيه من أحد منهم». واعتمد ابن حزم، على الكتاب والسنة والإجماع؛ وهو فقيه شديد المراس، ولا شك أن من جاء بعده قد تأثر به، ونسج على منواله، كما أن بعضاً من أهل العلم قد نكب عن طريقه، وأساء الظن به وإن كان الخطب في الخلاف يسيراً، وقد تأثر أئمة أعلام بآراء ابن حزم الفقهية. ومن جوانب نبوغ ابن حزم معرفته بالتاريخ وبحثه فيه، وقد وصفه مترجموه بذلك، يقول الدكتور عبد الكريم خليفة: «أما في مجال التاريخ والأخبار، فابن حزم مؤرخ مبرز، واسع الاطلاع، عميق المعرفة، درس تاريخ مختلف الشعوب في المشرق والمغرب، وكان له إلمام واسع بحوادث الأندلس مما جعل تلميذه الحميدي يروي عنه معظم الحوادث والأخبار في كتابه (جذوة المقتبس)، وهذا يلقي ضوءاً على ثقافته التاريخية، وماله فيها من باع طويل، كما يدل على مقدرته في النقد والتمييز. ولابن حزم معرفة بعلم الأنساب، فقد صنف فيه كتابه «جمهرة أنساب العرب»، وقد قال في مقدمته: فجمعنا في كتابنا هذا تواشج أرحام قبائل العرب، وتفرع بعضها من بعض، وذكرنا من أعيان كل قبيلة مقداراً يكون من وقف عليه خارجاً من الجهل بالأنساب، ومشرفاً على جمهرتها»، وعن أهمية الأنساب يقول (رحمه الله): «فوجب بذلك أن علم النسب علم جليل رفيع، إذ به يكون التعارف (جمهرة أنساب العرب، للإمام ابن حزم، ج1 ص6). وفيما يتعلق بمعرفته بالسيرة النبوية، صنف ابن حزم فيها تصنيفاً، وقد كان كتابه (جوامع السيرة) نموذجاً طريفاً للتأليف في السيرة، وغادر أبو محمد ابن حزم (رحمه الله) إشبيلية إلى قريته (منت ليشم) التي كان يمتلكها ويتردد عليها، وظل بها يمارس التصنيف والتدريس حتى وافته المنية عشية يوم الأحد 28 شعبان 456 هـ /15 يوليو 1063 م (سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ج18 ص211).
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...
تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...
تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...
تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...
ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...