


عدد المقالات 113
يقف الإسلام بين الأديان والمذاهب والفلسفات شامخاً متميزاً في هذا المبدأ الذي قرر فيه حرية التدين، فهو يعلنها صريحة لا مواربة فيها ولا التواء، أنه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256]. فالإسلام من منطلق الثقة بصدق الدعوة، ورجحان الكفة، وتكامل الرسالة، ووضوح الحجة، وانتصاف العقل، واكتمال الأدلة؛ لا يكره أحداً على الدخول في عقيدته، أو الإيمان بدعوته. (حقوق الإنسان بين التطبيق والضياع، د. محمود عمار، ص298) وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان، واحترام إرادته وفكره ومشاعره، وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد، وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه، وهذه من أخص خصائص التحرر الإنساني، تنكره على الإنسان في القرن العشرين مذاهب متعسفة ونظم مذلة، لا تسمح لهذا الكائن الذي كرمه الله ـ باختياره لعقيدته ـ أن ينطوي ضميره على تصور للحياة ونظمها غير ما تمليه عليه الدولة بشتى أجهزتها التوجيهية، فإما أن يعتنق مذهب الدولة، وإما أن يتعرض للموت بشتى الوسائل والأسباب. إن حرية الاعتقاد هي أول حقوق (الإنسان) التي يثبت له بها وصف إنسان، فالذي يسلب إنساناً حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداءً، والإسلام ـ هو أرقى تصور للوجود وللحياة ـ وهو الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين، ويمنع أصحابه ـ قبل سواهم ـ من إكراه الناس على هذا الدين، فكيف بالمذاهب والنظم الأرضية القاصرة المتعسفة، وهي لا تسمح لمن يخالفها بالحياة؟ والتعبير ـ في الآية:{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ـ يرد في صورة النفي المطلق نفي الجنس، أي نفس جنس الإكراه ابتداء، فهو يستعبده من عالم الوجود والوقوع، وليس مجرد نهي عن مزاولته، والنهي في صورة النفي ـ والنفي للجنس ـ أعمق إيقاعاً، وآكد دلالة. وصحيح أن الإسلام حارب أعداءه، ورفع السيف في وجه مخالفيه، دفاعاً عن النفس، أو تكسيراً للحدود التي تحول دون وصول الدعوة، وتحطيماً للأقفاص الكبيرة التي سجنت فيها الشعوب، فمنعت التواصل الفكري، ولكنه يقف عند هذا الحد، ولا يتجاوزه، ولا يتدخل في قلوب الناس وعقولهم إلا بالمنطق والإقناع {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]. ويترك بعد ذلك مطلق الحرية في الاختبار والتسليم، وقبول الدعوة، وعدم الإكراه. فيلمس الضمير البشري لمسة توقظه وتشوقه إلى الهدى، وتهديه إلى الطريق، وتبين الإيمان الذي أعلن أن الدعوة أصبحت واضحة، وأنضجت سماتها، وأثبتت رجحان كفتها وغلبة منطقها، وما تمنحه للإدراك البشري من تصور وطمأنينة وسلام، وما تثيره في النفس البشرية من اهتمامات رفيعة ومشاعر نظيفة: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256]. وما قيمة إسلام أو إيمان يفرض على صاحبه ، فيتظاهر بالقول، ويدعي الموافقة وقلبه مليء بالحقد والعداوة والكيد والتدبير، إن ضرره أكثر من نفعه، وخطره أقوى من خيره، وخوفه أقرب من أمنه. ولما كانت حرية الاعتقاد حقّاً من حقوق الإنسان، وقراراً شخصيّاً يتحمل المرء تبعاته؛ كان القرآن الكريم صريحاً صراحة تامة في مواجهة الناس بهذه الحقيقة ليختاروا بمحض إرادتهم، وترك الباب أمامهم مفتوحاً. ولا يملك أحد الضغط على الناس، أو إكراههم على الإيمان حتى ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم ـ صاحب الدعوة ـ كما في قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]. ومبدأ الإكراه مرفوض من الأصل، ولا يتوقع لأحد يفهم رسالة الإسلام أن يمارسه؛ لأنه يخالف طبيعة الدعوة، ويناقض أهداف الرسالة، ولو شاء ربك لخلق هذا الجنس البشري خلقة أخرى، فجعله لا يعرف إلا طريق الإيمان كالملائكة.
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...
تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...
تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...
تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...
ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...
يبيّن القرآن الكريم أصول الإيمان التي يقوم عليها دين الإسلام، ويرسم للمؤمنين المنهج العقدي الصحيح الذي يجمع بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بجميع أنبيائه ورسله وكتبه دون تفريق أو تمييز. ومن الآيات الجامعة في بيان...
عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة،...
وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد...
يُبرز القرآن الكريم خطورة الجدال في آيات الله بغير علم أو حجة، لما في ذلك من انحراف عن طريق الحق وإصرار على الباطل رغم وضوح الدليل والحجة والبرهان. وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي...