


عدد المقالات 347
لم يكن امرؤُ القيس قامة شامخة، ولا هامة راجحة، لا قويّ المعصم ولا طويل نجاد السيف، ولا حصة له من مكارم الأخلاق. ولذلك، كانت عدستُهُ تركز في قوة حصانه لا في ذاته، على خلاف عنترة الذي نصحبه هنا في رحلته التي سار فيها مع رهطه ليالي وأياماً آمنين، أَمانُه حدُّ سيفه وهمة نفسهِ، ومناعتُهُ شجاعتُهُ، فكان الحظُّ الوافر من الوصف لنفسه، ولم يبخس الأوابد والمعالم من حوله، ومنها راحلته التي اتخذها لرحلته: وقدْ سرتُ يا بنتَ الكرامِ مبادراً وتحتي مُهريٌّ من الإِبلِ أَهوجُ تريكِ إِذا ولَّتْ سناماً وكاهلاً وإِنْ أَقبلتْ صدراً لها يترجرجُ جسّدَ الشاعر طبائع ناقته بعجلتها وإِجفالها وهلع مشيتِها وصوَّرها من دبر، فبدا سنامُها وكاهلُها، ثم صوَّرَها من قُبلٍ فبدتْ لبانُ صدرِها ترتعشُ مع السير، وهذا غاية الحيوية في نقل الصورة والبثّ المباشر للمشهد الذي تبدو فيه أَدقُّ تفصيلاتِهِ ونوافلِهِ. وغير بعيدٍ يعود الشاعر إلى استخدام فعل القافية ذاتهِ في القصيدة ذاتها لوصف معلم آخرَ، فيقول: أُراعي نجومَ الليلِ وهي كأنَّها قواريرُ فيها زئبقٌ يترجرجُ لقد نسفَ جمال هذا الوصف للنجم ما قاله المعريُّ بعد عنترة بقرونٍ، حين شبّه وميض سهيل في السماء بخفقان قلب المحبِّ، إلا أَنَّنا استحضرْنَا صورة النجم على نحو أَصفى منه وأَبهى منه عند عنترة الذي وصف نبض النجوم بزجاجات مملوءة بالزئبق الدائم الحركة، العديم الاستقرار. وهكذا تبدو ليلة عنترة نشيطة مفعمة بالحياةِ، وتبدو عدسة الشاعر سريعة تتناول الناقة من قُبلٍ ومن دبرٍ، وتعكسُ لنا لبانَها الذي يترجرجُ بلا هوادةٍ، ثم تعكس لنا النجم فإِذا هو كذلك يترجرج ببريقه ووميضه بلا انقطاع. فشتّانَ بين ليلٍ تمطَّى فوقَ امرئِ القيسِ بكلِّ ثقله وليل عنترة الذي تسودُهُ الخفة، وربَّما كان التعليل في همة الشاعر التي ظهرت استعظاماً أو استخفافاً بالنواميس من حوله.
هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...
وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...
جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...
ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...
ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...
يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...
من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...
«القدس جوهرة تشـــعُّ فتملأ الدنيـا ضياء... القدس درب الأنبياء الذاهبين إلى السماء... القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فاكتب في هواها ما تشاء». إذا وقفْتَ حيث وقفَ سيدُنا عيسى عليه السلام في ليلته الأخيرةِ، على جبل...
إنّ من نعم اللهُ عزَّ وجلَّ بنا أنّه «البَصِيرُ» الذي يَنْظُرُ إلى المُؤْمِنِينَ بِكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَمُنُّ عَلَيهِم بِنِعْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، ويَزِيدُهم كَرَمًا بِلِقَائِهِ وَرُؤْيَتِهِ، ولَا يَنْظُرُ إلى الكَافِرِينَ تَحْقِيقًا لِعُقُوبَتِهِ، فَهُم مُخَلَّدُونَ في العَذَابِ مَحْجُوبُونَ عَنْ...
إن الكتابةَ، في الحضارة الإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللغة. وإن الكتابةَ إحدى الركائز المرئية التي تعبّر عن اللغة، وهي محاولةُ نقل ظاهرةٍ صوتيةٍ سمعيةٍ إلى ظاهرةٍ كتابيةٍ مرئيةٍ بالعين. وانطلاقًا من هذه الصلةِ بين اللغةِ...