alsharq

د. زينب المحمود

عدد المقالات 351

غمامة البحتري

20 أكتوبر 2019 , 12:05ص

لم يبقَ ما لم تصوّره لنا عدسات الشعراء، لقد وصفت لنا المجرّدات والمجسّدات، والذوات المحسوسة والمعاني المستترة المضمرة، ولنا اليوم موقف مع عدسة البحتري وهو يصف غمامةً تلبّدت وأودقت وأغدقت، حتى امتلأ الوادي منها ديماً، فقال: مَسْفوحَةُ الدَّمعِ لِغيرِ وَجْدِ لهَا نَسيمٌ كَنسيمِ الوَردِ جاءَتْ بِها ريحُ الصِّبا مِنْ نَجْدِ فانْتَثرَتْ مِثْلَ انْفِراطِ العِقْدِ كأَّنَّما غُدْرَانُها في الوَهْدِ يَلْعَبْنَ مِنْ حُبَابِها بالنَّردِ عند الفراغ من قراءة مقطوعته التي تنتهي بهذا البيت، وتنتهي معه حبات المطر المتساقطة من الغيمة، نشعر وكأنّنا أمطرنا بعد صلاة استسقاء، حتى إذا نضر الشجر واهتزّت الأرض وربت، وعمّت البشرى وصفت الأجواء، وعادة الشعراء أن يصوّروا المشهد كاملاً ثمّ يقتربوا من أحد جزئياته ومساماته، كما فعل البحتريّ إذ نقل لنا مسيرة الغمامة وكيف ساقتها ريح الصّبا من مكان بعيد. ثمّ وصف هطولها وصفاً رائعاً؛ فشبّه تقاطرها بانفراط العقد الذي كان يضم لؤلؤه وزبرجده وعسجده، إلا أن الشاعر يقترب بنا أكثر فأكثر حتى يطلعنا على مصير القطرات، وأين انتهى بها المطاف، فقد سقطت القطرات الأخيرة من الغمامة على الغدران التي صنعها هطول الغمامة ذاتها في الوهاد، وكانت تشبه، وهي تقع على وجه الماء ثمّ تنفر عنه للأعلى وتعود إلى التلاشي فيه، رمية النرد، وحركة الحجارة فوق الطاولة، فيا لروعته من وصف كأنّنا نعيشه ونقف على ضفة تلك الغدران ونشاهد تساقط تلك القطرات. لقد بدأت عدسة الشاعر بالجملة، ثمّ انتهت إلى التفاصيل، بدأت عن بُعد فشملت كل شيء، وانتهت عن قرب بلا شيء. غمامة تسوقها الرياح، ثمّ هطول وغدران، ثم تحطّم حباتها الأخيرة فوق سطح الماء، وهذا أحد تقنيات التصوير البياني الفائقة.

جوهرة التاريخ والحضارة

حاضرة عظيمة مقدسة، خلق الله منها الأرض ومنها دحيت، هي أم الدنيا بحواضرها ومدنها وقراها وكل ناحية فيها، هي العاصمة العالمية للأرض، وهي أم الثقافات الإنسانية جميعا، وما فيها من تراث معنوي ومادي، إنها المكان...

الهندسة الميكانيكية في الحضارة الإسلامية

إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...

ظاهرٌ باطنٌ

كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ...

توّاب... يحبّ التوّابين

هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...

ما بين الحمد والشكر

هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...

المرأة في الحضارة الإنسانية

منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...

بكبريائه اهتدوا...

في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...

فلسفة وعبادة

وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...

نفحات الرحمة

جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...

القدوس

ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...

المساجد... منارات علم وحضارة

ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...

الحليم

يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...