


عدد المقالات 381
«التواب»، اسم مبالغة من التوبة كمًّا ونوعًا؛ فسبحانه يغفر الذنوب جميعًا كمًّا، ويغفر أكبر الذنوب نوعًا. وما أعظم أثره «اسم التوّاب» في النفس! فهو اسم عظيم يدخل الطمأنينة والأمل إلى قلوبنا، اسم يخلصنا من ذنوبنا، وما أكثر ما نجترح ونتعدى من حدود! وما أكثر ما يتلطف بنا الغفور الودود! والهول أننا لا نحصي ما نقارف من الخطايا، وما نجازف به من الإيمان في سبل الدنايا، أحصاه الله ونسيناه، فعسى أن يلهمنا التوبة والإنابة ويهدينا سواء السبيل.
إنّ التوبة تعني الرجوع عن المعصية إلى الطاعة، والخروج من الاستحواذ الشيطاني إلى حضيرة العفو الرباني، والله «التواب» هو من ييسر التوبة للعباد؛ فيعودوا أدراجهم عن الفسوق والعصيان والفساد، فيتقبل منهم ويثيبهم. وما أكثر الأدبيات التي تعاطت الثوبة والزهد في الحياة، والعمل لما بعد الممات، واليقظة من الغرور واجتناب الآثام والشرور، والتبلّغ من زاد المعاد والتجهز للقاء رب العباد! وفي ذلك يقول الشاعر:
تفكّر في مشيبك والمآبِ
ودفنك بعد عـزّك في التــرابِ
إذا وافيـت قبــرًا أنـت فيه
تقيم به إلى يــوم الحساب
وفي أوصال جسمك حين تبقى
مقطعـة ممزقة الإهـابِ
فلولا القبر صار عليك ستـرًا
لأنتنـت الأباطح والـروابي
خلقت من التراب فصرت حيًّا
وعُلِّمتَ الفصيحَ من الخطاب
فطلّق هــذه الدنيـا ثلاثًا
وبادر قبـل موتـك بالمتـابِ
جميل أن نبادر بالتوبة قبل فوات الأوان، والأجمل أن نحمد الله على إلهامنا التوبة وتوفيقنا إليها، فكل توبة وفق النص القرآني مسبوقة بتوبة إلهية خفية، فقد قال جلّ جلاله: (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيِتُوبُوا) (التوبة: 118)، وفي ذلك يقول ابن القيم الجوزية -رحمه الله: «فهو الذي جاد عليه بأن وفقه للتوبة وألهمه إياها، ثم قبلها منه، فتاب عليه أولًا وآخرًا، فتوبة العبد محفوفة بتوبة قبلها عليه من الله إذنًا وتوفيقًا، وتوبة ثانيًا منه عليه قبولًا ورضًا، فله الفضل في التوبة والكرم أولًا وآخرًا لا إله إلا هو».
إذًا، فابن القيّم يقسم توبة الله على عبده إلى قسمين؛ سابقة ولاحقة، فأما الأولى فهي توفيق الله للعبد وإلهامه التوبة إلى الله والإقلاع عما هو فيه من خرق الحدود والضلال البعيد، وأما التوبة الأخرى فهي قبول الله توبة عبده، بإسقاط ذنبه، من دون إحباط سالف عمله. وهنا لطيفة أثيرة، مفادها؛ أنَّ المبادرة إلى التوبة والدافعية لا تكون من العبد ذاته، الغارق في شهواته، الممعن في ضلالاته، ولكنها بوخزة للضمير، ونكزة للشعور، تأتيه من الله، فيستشعر من الذنب وحشة، ويشعر في روحه رعشة، فيعود أدراجه، ويتمرغ في عتبات الضراعة، ويركب سكة الطاعة، فإذا صدق الله التوبة، تاب عليه ربه فتقبل عنه الحسنات، وتجاوز عن السيئات، ومحا ما شاء، وأثبت ما شاء، وعنده أم الكتاب.
وما أحوجنا جميعًا إلى السعي إلى نيل رضا الله التواب؛ ليلهمنا دائمًا التوبة من الذنب، «فالتائب من الذنب كمن لا ذنب»! فلنسرع قبل أن يطوينا الموت، ويطحننا الفوت، ولنستثمر هذا الشهر الفضيل في التضرّع إلى الله أن يخلّصنا من الذنوب، وأن يستر العيوب، وأن يفرّج الكروب، وأن يطمئن القلوب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
كثيرٌ من الناس يتجادلون في التربية، وبعلاقتها بالأسرة والمجتمع والمؤسسة التعليمية، فتتعدد الآراء المرتبطة بمفهومها، ويختلف الناس حولها، ويكمن مرجع ذلك إلى الاختلاف حول موضوع التربية من جهة، وحول فهم الطبيعة الإنسانية من جهة ثانية،...
قالوا فيها: إنها هبة ربانية مباركة، وبحرٌ لا تنفدُ كنوزُهُ، أنعم الله بها علينا – نحنُ أمةَ العربِ - وهي معشوقةٌ عجزتْ أبياتُ الغزلِ عن الإيفاء بحق جمالِها، وهي بنتُ عدنانَ، وفخرُ ميراثِ الأَجدادِ، إنها...
كلنا سمعنا قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: 30)، لكّن قلة من الناس من تعي معناه، ومقصد دلالته، وإنّ...
تعد التربية ظاهرة اجتماعية؛ كونها لا تجري في فراغ أو من دون مجتمع، ولا يمكن تصور وجود الإنسان فردًا منعزلًا عن مجتمعه أو جماعته في العصور الحديثة. والتربية في أحوالها كلها، لا تهتم بالفرد منعزلًا...
كانت المشافي قديمًا تسمى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...
بتاريخها البهي، وطبيعتها الساحرة، وإرثها العريق، تتربع على شاطئ الخليج الذهبي، فتنعكس فيه أصالتها ونضارتها. هي لؤلؤة الجنوب، وساحرة الألباب والقلوب، لا يمس بهاءها حاسد مغلول، ولا ينقِصُ قدرها قولُ مجهول، أو مبغضٌ جَهول. في...
اهتم علماء الحضارة الإسلامية بطب الأسنان وعدوه تخصصًا فريدًا، وأولوه اهتمامًا خاصًا، وما يؤكد ذلك، «كثرة عدد أطباء الأسنان، وكثرة التصانيف والتآليف المرموقة التي وضعوها، تلك التي أضافت ثروة علمية كبيرة إلى الناتج العلمي والمعرفي...
ورد في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان أشدَّ حياءً من الفتاة في خدرها»، وروى أبوهريرة رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة...
ليس غريبًا أو مثيرًا للدهشة أن تُمدَح الحضارة الإسلامية من طرف أبنائها، لكن ما يثير الدهشة والإعجاب، ذكر محاسنها من طرف مَن ناصبوها العداء ذات زمن، أو من خالفوها فكرًا وعقيدة. وسأذكر في هذه المقالة...
في كواليس كل محاولة لم تكتمل، وسردية كل هدف تَراجعنا عنه، يختبئ كائن وهمي نُطلق عليه «الظروف». لقد حولنا هذا المفهوم من محض تحديات طبيعية تواجه الإنسان، إلى «شمّاعة» نحمل عليها كل تعثر، ونعلّق عليها...
إنّ الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...
إن دور الدولة لا يقل أهمية عن دور الأسرة في مجال الاهتمام بالعلم والعلماء، بل إنه يفوق دور الأسرة في أحيان عديدة، وقد يكون لزامًا على كل دولة تسعى إلى بناء نهضتها، وقيادة مسيرتها نحو...