alsharq

د. زينب المحمود

عدد المقالات 367

التواب

18 مايو 2025 , 11:45م

«التواب»، اسم مبالغة من التوبة كمًّا ونوعًا؛ فسبحانه يغفر الذنوب جميعًا كمًّا، ويغفر أكبر الذنوب نوعًا. وما أعظم أثره «اسم التوّاب» في النفس! فهو اسم عظيم يدخل الطمأنينة والأمل إلى قلوبنا، اسم يخلصنا من ذنوبنا، وما أكثر ما نجترح ونتعدى من حدود! وما أكثر ما يتلطف بنا الغفور الودود! والهول أننا لا نحصي ما نقارف من الخطايا، وما نجازف به من الإيمان في سبل الدنايا، أحصاه الله ونسيناه، فعسى أن يلهمنا التوبة والإنابة ويهدينا سواء السبيل.
إنّ التوبة تعني الرجوع عن المعصية إلى الطاعة، والخروج من الاستحواذ الشيطاني إلى حضيرة العفو الرباني، والله «التواب» هو من ييسر التوبة للعباد؛ فيعودوا أدراجهم عن الفسوق والعصيان والفساد، فيتقبل منهم ويثيبهم. وما أكثر الأدبيات التي تعاطت الثوبة والزهد في الحياة، والعمل لما بعد الممات، واليقظة من الغرور واجتناب الآثام والشرور، والتبلّغ من زاد المعاد والتجهز للقاء رب العباد! وفي ذلك يقول الشاعر:
تفكّر في مشيبك والمآبِ
 ودفنك بعد عـزّك في التــرابِ
إذا وافيـت قبــرًا أنـت فيه
 تقيم به إلى يــوم الحساب
وفي أوصال جسمك حين تبقى
 مقطعـة ممزقة الإهـابِ
فلولا القبر صار عليك ستـرًا
 لأنتنـت الأباطح والـروابي
خلقت من التراب فصرت حيًّا
 وعُلِّمتَ الفصيحَ من الخطاب
فطلّق هــذه الدنيـا ثلاثًا
 وبادر قبـل موتـك بالمتـابِ
جميل أن نبادر بالتوبة قبل فوات الأوان، والأجمل أن نحمد الله على إلهامنا التوبة وتوفيقنا إليها، فكل توبة وفق النص القرآني مسبوقة بتوبة إلهية خفية، فقد قال جلّ جلاله: (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيِتُوبُوا) (التوبة: 118)، وفي ذلك يقول ابن القيم الجوزية -رحمه الله: «فهو الذي جاد عليه بأن وفقه للتوبة وألهمه إياها، ثم قبلها منه، فتاب عليه أولًا وآخرًا، فتوبة العبد محفوفة بتوبة قبلها عليه من الله إذنًا وتوفيقًا، وتوبة ثانيًا منه عليه قبولًا ورضًا، فله الفضل في التوبة والكرم أولًا وآخرًا لا إله إلا هو».
إذًا، فابن القيّم يقسم توبة الله على عبده إلى قسمين؛ سابقة ولاحقة، فأما الأولى فهي توفيق الله للعبد وإلهامه التوبة إلى الله والإقلاع عما هو فيه من خرق الحدود والضلال البعيد، وأما التوبة الأخرى فهي قبول الله توبة عبده، بإسقاط ذنبه، من دون إحباط سالف عمله. وهنا لطيفة أثيرة، مفادها؛ أنَّ المبادرة إلى التوبة والدافعية لا تكون من العبد ذاته، الغارق في شهواته، الممعن في ضلالاته، ولكنها بوخزة للضمير، ونكزة للشعور، تأتيه من الله، فيستشعر من الذنب وحشة، ويشعر في روحه رعشة، فيعود أدراجه، ويتمرغ في عتبات الضراعة، ويركب سكة الطاعة، فإذا صدق الله التوبة، تاب عليه ربه فتقبل عنه الحسنات، وتجاوز عن السيئات، ومحا ما شاء، وأثبت ما شاء، وعنده أم الكتاب.
وما أحوجنا جميعًا إلى السعي إلى نيل رضا الله التواب؛ ليلهمنا دائمًا التوبة من الذنب، «فالتائب من الذنب كمن لا ذنب»! فلنسرع قبل أن يطوينا الموت، ويطحننا الفوت، ولنستثمر هذا الشهر الفضيل في التضرّع إلى الله أن يخلّصنا من الذنوب، وأن يستر العيوب، وأن يفرّج الكروب، وأن يطمئن القلوب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 @zainabalmahmoud
 @zalmahmoud@outlook.com

عالم الطب في حضارتنا

كانت المشافي قديمًا تسمّى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقْريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم...

فقه الشكر

إن شكر الله على نعمه هو من قمة أدب الإنسان مع خالقه، وهو اعتراف صريح بربوبية الله، وفضله الكبير عليه، ولذلك سمّى الله نفسه «الشكور» وخص الشكر بمساحة فسيحة في كتابه الكريم، فقد ورد اسمه...

أَميرُ الإِنسانِيَّةِ... وَداعًا

وداعًا أمير الإنسانية... ومهندس السلام... وباني نهضة قطر... وداعًا (بومشعل)... حَمَد الحكمة والبناء... حَمَد العطاء والانتماء. إنَّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع، وإنّا على فراقك يا والدنا لمحزونون، ولكن حسبنا ربٌّ رؤوف رحيم، يجزل عطاءه...

الفلَك في حضارة الإسلام

كان هناك بواعث علمية ودينية عديدة لدى علماء الحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي أصبحت تتسيّد العالم، ومن تلك الاهتمامات اهتمامها بعلم الفلك؛ وذلك لأسباب جوهرية، منها: اتساع الأرض الإسلامية، وصحراوية كثير منها، ما تطلّب معرفة...

حضارة قُرطبة

لا تقلّ مملكة قرطبة أهمية في مظاهر رقيّها وحضارتها وإنجازاتها وابتكاراتها عن غيرها من الحضارات البشرية الشهيرة، فما زالت قرطبة تعرف بالمعالم التي رفعت ألويتها حضارةُ الإسلام في الأندلس. فعلى سبيل المثال، هناك: قَنْطرةُ قرطبة...

أسرار الحكيم

لَيْسَ مِنْ عَدَمٍ أَسْمَى اللهُ نَفْسَهُ (الحَكِيمَ)، وَلَيْسَ مِنْ فَراغٍ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَّمَهُ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِه. فَذلِكَ كُلُّهُ لِحِكَمٍ عَظيمَةٍ، وَفَوائِدَ جَمَّةٍ، تَتَعَلَّقُ بِدينِنا وَدُنْيَانا وَآخِرَتِنا. ويُفْهَمُ مِنِ اسْمِ الله (الْحَكِيمِ) طَائِفَتَانِ مِنَ الْمَعَانِي:...

الرياضيات حضارة وإسلاماً

بدأ اتِّصالُ الحضارة العربية الإسلامية بعلم الرياضيات، عبر ترجمة المأثور من علم الرياضيات في الحضارات السابقة: اليونانية، والبابلية، والهندية، والفارسية. فقد «تُرجِم التراثُ اليوناني في علم الرياضياتِ إلى العربية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، إما...

التواصل سرّ الوجود

أصبح التواصل بين البشر اليوم من أهم القضايا التي يجب الالتفات إليها، ليس لأنّ التواصل هو الذي يبني العلاقات فحسب، بل لأنه سبب ديمومة الحياة واستمراريتها، وهو كذلك، سرّ من أسرار الوجود، فقد كانت أوّل...

قبس من العباقرة

منذ بعث الله محمدًا عليه السلام برسالة الإسلام الخالدة، انطلقت ركائب العلم والمعرفة تحُثُّ خطاها من دون قيود؛ لما للعلم في الإسلام من شرف المكانة وعظيم المنـزلة، وقد رغّب الله تعالى في طلبه والسعي إليه...

اسم الله الأعظم

أصحبكم في هذا المقال في نزهة روحية نضع فيها النقاط على الحروف فيما يتعلّق باسم جامع من أسماء الله الحسنى هو «الرب»، فهل تفكرتم يومًا في معنى الربّ؟ وهل فكّرتم في أهم التوجيهات التي يحويها...

جلال الذات الإلهية

لله عزّ وجلّ أسماء ذات جليلة، وصفات أفعال عظيمة، تتراوح جميعًا بين الجمال والجلال، فصفات الذات هي صفات إفراد، وأسوق على ذلك بعض الأمثلة التي تجلو الغشاوة عن الأفهام، وتوضح حقيقة المقام؛ من ذلك أنّ...

الجغرافيا حقًّا وحقيقة

أبدأ حديثي بشهادة لمستشرق شهد بالحق فقال: «ما زالت مؤلفات المسلمين في الجغرافيا تحتل مكانًا مهمًّا حتى يومنا هذا؛ لأن المعلومات التي تتضمنها تزيد في علمنا بالجغرافيا التاريخية المتعلقة بالبلدان التي تناولتها هذه المؤلفات، وبناءً...