alsharq

فضيلة الشيخ د. عبدالعزيز بن عبدالله آل ثاني

عدد المقالات 75

صيام القلب - أو صوم القلب

18 مارس 2024 , 11:58م

الحمد لله العزيز المتكبر ذي الجلال، والصلاة والسلام على نبينا محمد المتواضع ذي الهيبة والجمال، وعلى جميع الصحابة والآل.
وبعد: يقول ربنا سبحانه: ﴿‌تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، إن شهر رمضان شهر صيام، والصيام عن الأكل والشرب والشهوة أمر مطلوب، لكن للصيام أبعادا أخرى، وغايات أسمى، ففي الحديث يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري.
وفي الحديث إشارة إلى أن الصوم يقتضي أيضاً صوم باقي الجوارح عن كل ما هو حرام مما يخدش الصوم ويذهب بأجره كاملاً أو ينقصه، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «(رُبَّ ‌صائم ليس له من صيامه إلا الجوع) رواه ابن ماجه.
ومن الزور الذي لا يصوم عنه كثيرون ممن يحرصون على ترك الطعام والشراب والشهوة فقط خلق الكبر، فإذا لم يصم القلب عن الأخلاق الذميمة المحرمة كان حظ صاحبه من الصيام الجوع.
وإذا كان الصائم يصوم من أجل الدار الآخرة بالجوع والعطش ولا يصوم عن التكبر على خلق الله فهو يرجو الآخرة من غير طريقها، يقول ربنا سبحانه: ﴿‌تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾، جاءت هذه الآية بعد ذكر قصة قارون الذي تكبر وبغى على المومنين من قوم موسى، فخسف الله به وبداره الأرض، ثم أخبر سبحانه أن الدار الآخرة الباقية أعدها سبحانه للذين ليس عندهم إرادة العلو في الأرض، ولا إرادة الفساد، والعلو: التكبر عن الحق وعلى الخلق، والطغيان في الأعمال، والفساد: ضد الصلاح، وهو كل فعل مذموم في الشريعة.
فإذا كان مجرد إرادة التكبر والعلو سببا في الحرمان في الدار الآخرة فكيف بممارسة الكبر والفساد فعلياً، يقول الفضيل بن عياض رحمه الله عندما قرأ هذه الآية: «ذهبت الأماني هاهنا، أي أماني الذين يزعمون أنه لا يضر مع الإيمان شيء». وفي الحديث القدسي: (يقول الله سبحانه: ‌الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من ينازعني واحدا منهما، ألقيته في جهنم) رواه ابن ماجه.
والكبر من الأمراض القلبية الخفية، التي تتسرب إلى القلب فيتشربها بسبب النعمة في الغالب، من حصول العبد على مال أو منصب أو وجاهة ونحو ذلك من علم أو قوة بدنية أو جمال مظهر هذه أسباب الكبر التي ذكرها بعض العلماء، وهذا الخلق الذميم يتناقض مع الغاية الرمضانية الحسنة، وهي تحقيق التقوى، لأن الله تعالى لما أخبرنا بأن الدار الآخرة للقوم الذين ليس من شيمهم التكبر والإفساد في الأرض قال إثر ذلك: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ولفظ العاقبة صفة للدار الآخرة في الأصل، ولكن عوملت معاملة الاسم لكثرة استعمالها في الإشارة إلى الآخرة، والمراد بها هنا الدار الآخرة المذكورة أولاً، فليس للمتكبرين فيها نصيب، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال صلى الله عليه وسلم: إن الله جميل يحب الجمال، ‌الكبر بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» رواه مسلم. وبطر الحق: دفعه وإنكاره ترفعا وتجبرا، وغمط الناس احتقارهم.
وبهذا الحديث يتبين لنا أن للكبر أثراً يظهر من خلال سلوك المتكبر، ولا علاقة للكبر باللباس الجميل والمركب الجيد، والمنزل الفخم، والمظهر الحسن، وإنما الكبر صفة قلبية تدل عليه آثاره في سلوك المتكبر.
والصيام عن هذه الصفة يقتضي الاتصاف بنقيضها وهو التواضع، خلق الأنبياء والصالحين، ومن تواضع لله رفعه.

«التوعية الأسرية في القرآن من خلال وصايا الحكيم لقمان»

​الحمد لله أسبغ علينا نعمته، ووهب من يشاء من عباده حكمته، والصلاة والسلام على من ختم الله به رسالته، صلاة وسلاماً يشملان آله وصحبه وأُمتَه. ​وبعد: فإن القرآن العظيم تضمن توجيهات تربوية وتوعوية، ونماذج تعتبر...

الأسرة وأثرها في وعي الأفراد

الحمد لله الذي جعل التناسل من صور الاستخلاف، وجعل لحمة الأسرة قائمة بالرحمة والسكينة والائتلاف، والصلاة والسلام على من أنار الله به العقول، محمد بن عبد الله النبي الرسول، وعلى آله وصحبه والتابعين ما سطعت...

القيم الأخلاقية في ظل العمل عن بعد

الحمد لله الذي كتب علينا الإحسان، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي دعا لمن تميز عمله بالإتقان، وعلى آله وصحبه والتابعين على مر الدهور والأزمان. وبعد: فإن الدنيا لا تستقر على حال، ولذلك تعرف تقلبات...

الماجَريات بين الانغماس والانفصال

الحمد لله الذي أمرنا بالطاعات، وجعل أعمار خلقه ساعات، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي كره لنا فضول الكلام وقيل وقال ونشر الإشاعات، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم ما دامت الأرض والسماوات. وبعد: فإن من...

الحرية شعار بين الزيف والحقيقة

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالدين الحق، والصلاة والسلام على نبينا محمد أكرم الخلق، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم لقاء الحق. وبعد: فإننا ما زلنا نسمع مغالطات في استعمال لفظ الحرية داخل...

بادر قبل أن يغادر

الحمد لله الذي تفرَّد بالبقاء، وحكم على خلقه في الدنيا بالفناء، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الرسل والأنبياء، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم واتخذهم أولياء. وبعد: فكل مبدوء مختوم، وإنما الدوام للحي القيوم، وهذا...

الابتلاء بين المحبة والعقاب

الحمد لله الذي يعافي من يشاء بفضله، ويخذل من يشاء بعلمه وعدله، والصلاة والسلام على نبينا محمد المزكى في قوله وفعله، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم في دينه وصبر على حمله. وبعد: فإن الدنيا لا...

النفاق وخطره على الدين والمجتمع (5)

​الحمد لله الذي جعل الصدق على الإيمان نبراساً، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وكل من جعلهم الله للإسلام حماة وحُرّاساً. وبعد: فلما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام قوله: «‌مَا ‌أَنْزَلَ...

النفاق وخطره على الدين والمجتمع (4)

​الحمد لله الذي جعل الصدق على الإيمان نبراساً، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وكل من جعلهم الله للإسلام حماة وحُرّاساً. وبعد، فإن خطر المنافقين لا يقتصر على الدين وحده، وإنما يشكل...

النفاق وخطره على الدين والمجتمع (3)

​الحمد لله الذي جعل الصدق على الإيمان نبراساً، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وكل من جعلهم الله للإسلام حماة وحُرّاساً. ​وبعد: فإن خطر النفاق والمنافقين على الأمة عظيم؛ فما ظهرت الفرق...

النفاق وخطره على الدين والمجتمع (2)

الحمد لله الذي جعل الصدق على الإيمان نبراساً، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وكل من جعلهم الله للإسلام حماة وحُراساً. وبعد: فإذا كان النفاق الاعتقادي إظهار الإسلام وإخفاء ما يناقضه باطناً،...

النفاق وخطره على الدين والمجتمع (1)

​الحمد لله الذي جعل الصدق على الإيمان نبراساً، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وكل من جعلهم الله للإسلام حماة وحُرّاساً. وبعد: فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا...