علاقة العلماء بالحركات الإسلامية المعاصرة (1-2)
17 سبتمبر 2013 , 12:00ص
أثارت المواقف الرسمية الأخيرة لشيخ الأزهر ومفتي الجمهورية حول الأزمة المصرية بشكل عام وجماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص قدرا واسعا من الجدل في الأوساط الإسلامية وغير الإسلامية، رغم أن هذه المواقف ليست جديدة ولا غريبة، وأذكر بهذا الصدد صدمة شباب الإخوان في ثمانينات القرن الماضي حيث وقف الشيخ البوطي مع حافظ الأسد وشقيقه رفعت وهما يسحقان مدينة حماة ويطاردان شباب الإخوان في كل مكان من سوريا، بينما كان هؤلاء الشباب يتربون بالفعل على كتب الشيخ البوطي، خاصة كتابه (فقه السيرة) الذي دخل في البرامج الأسرية لتنظيمات الإخوان في أكثر من بلد!
ربما يكون من السهل تفسير هذه المواقف بالضغوط التي تمارسها الدولة على هؤلاء العلماء، وهو ما يعني اتهاما صريحا أو مبطنا لهؤلاء العلماء وطعنا في دينهم وأمانتهم وخلقهم، وربما كانوا يستحقون هذا الاتهام بالفعل، ولكن هذا التفسير لا يحل كل المشكلة، فالضغوط مهما كانت كبيرة لا تدفع العالم إلى جمع الأدلة والقرائن لتنزيل أحكام البغاة أو الصائلين على الجماعة واستباحة دمائهم، كما فعل البوطي في كتابه الجهاد، وكما فعل المفتي في إحدى مقابلاته.
في العراق ربما يكون المشهد مختلفا، فالعلماء قد اختاروا ذات الشوكة ودعوا إلى الجهاد ومقاومة الاحتلال، وقد ولد هذا قدرا متفاوتا من التوتر بينهم وبين الحزب الإسلامي، وهو الواجهة السياسية للإخوان بسبب مشاركته في حكومة الاحتلال! مع أن شباب الإخوان لم يتخلفوا عن غيرهم في المشاركة الفاعلة في المقاومة، وقدموا عددا ليس بالقليل من الشهداء والجرحى والمعتقلين.
إن هذه الحالات أو المواقف على اختلافها تشير بوضوح إلى وجود علاقة غير مستقرة وغير مرضية بين الطرفين، وتظهر هذه المشكلة على السطح في أوقات الأزمات والتقلبات السياسية، بمعنى أن المشكلة كانت أعمق وأسبق من هذه المواقف الآنية، وقد رأيت من بعض العلماء العراقيين من يتودد للمشاركين في العملية السياسية إذا كانوا من العلمانيين التاركين للصلاة والشاربين للخمر، ويبرر لهم مواقفهم مهما كانت بينما يتعامل مع إخوانه الإسلاميين بقدر من الجفاء والغلظة وانتقاء السيئات ونشرها والمبالغة بها، وطي الحسنات وكتمانها، وهذا يؤكد وجود عقدة أو عقد مستعصية في العلاقة أكثر مما هي مواقف مبدئية أو موضوعية، وهذا هو الذي ينبغي أن يخضع للدراسة والتحليل العلمي والأمين.
من المفارقات الغريبة في تاريخ هذه العلاقة أن العلماء كانوا هم الذين أسسوا أو شاركوا في تأسيس هذه الحركات أو الجماعات، ووضعوا قواعدها النظرية ومناهجها التربوية، ففي مصر كان حسن البنا وسيد قطب وعبدالقادر عودة وسيد سابق ومحمد الغزالي وعبدالمعز عبدالستار والباقوري ويوسف القرضاوي، وفي سوريا كان مصطفى السباعي وعبدالفتاح أبوغدة وسعيد حوى، وفي العراق كان محمد محمود الصواف وعبدالكريم زيدان وعبدالعزيز البدري، وفي الجزائر كان عبدالقادر الجزائري وابن باديس والبشير الإبراهيمي، وفي الهند كان المودودي والندوي.. إلخ، وما زال شباب هذه الجماعات يتغذون على المنتج المعرفي الثري والكبير لهؤلاء العلماء، كما كان هؤلاء العلماء يشكلون حماية مجتمعية عالية لهؤلاء الشباب لما يحظون به من منزلة رفيعة في قلوب الجماهير يحسب لها الحكام ألف حساب، وأذكر بهذا الصدد نموذجا مناسبا، حيث قامت القوات الأمنية في العراق باعتقال عدد كبير من شباب الحركة الإسلامية أواسط التسعينات، فبادر الشيخ غازي السامرائي بدعوة عدد كبير من العلماء ومن مختلف المحافظات في بيته في بغداد، وكان على رأسهم علامة سامراء الشيخ أيوب الخطيب، وقد كلف الكاتب مع الشيخ سامي الجنابي والشيخ عبدالقادر السعدي بكتابة مسودة البيان، والذي من المقرر أن يوجه لصدام حسين رسميا، وكان البيان قويا ولا يخلو من لمحة تهديد باستخدام المنابر للدفاع عن هؤلاء الشباب المظلومين، وما زلت أذكر الموقف الأبوي والمسؤول لعلمائنا الكبار حيث أصروا على أن يوقعوا هم فقط على البيان حفاظا على طلابهم وتلامذتهم، وقال أحدهم بالنص: (نحن أعمارنا منتهية دعونا نواجه قدرنا مع صدام وحافظوا أنتم على أمانة العلم والدين)، وكان هناك موقف مشابه للشيخ أمجد الزهاوي أيام سطوة الشيوعيين في عهد طاغية العراق عبدالكريم قاسم.
اليوم اختفت هذه الرموز أو النجوم من سماء الحركات الإسلامية، وباتت القيادات التنظيمية في الغالب من طبقة التكنوقراط (أطباء ومهندسين)، وهؤلاء قد يتمتعون بمهارات تنظيمية جيدة لكنهم في الغالب يفتقرون إلى العمق الفكري والمكانة الاجتماعية، ويمكن قياس هذا بيسر فالمنتج الفكري لكل هذه القيادات لا يكاد يذكر أمام القيادات التاريخية لهذه الجماعات نفسها، مما جعل هذه الجماعات تعيش حالة من الجمود أو الضمور الفكري، والاكتفاء بما كتبه الرواد الأوائل مع الاختلاف الكبير في الحاجات والتحديات وأدوات الصراع، كما أن القيادات الجديدة غير معروفة في المجتمع، ولا تحظى بالمساندة الشعبية مما جعلها تميل إلى الأدوار الخفية وبمبررات مختلفة على عكس الرواد الأوائل.
إن هذا التغير في نمط القيادات صحبه نزيف مستمر في الكفاءات العلمية والفكرية، كما هو الحال بالنسبة للشيخ الغزالي والسيد سابق من مصر، والشيخ سعيد حوى والأستاذ عدنان سعد الدين من سوريا، والشيخ عبدالكريم زيدان من العراق، والشيخ الترابي من السودان، والشيخ فتحي يكن من لبنان، مع أن بعض هؤلاء العلماء ما زال على صلة طيبة بجماعته التي استقال منها كالشيخ يوسف القرضاوي الذي آثر أن يكون رمزا علميا للأمة ولا يحصر إمكاناته في دائرة التنظيم الضيقة، وهذا النموذج يسلط الضوء على جانب آخر من المشهد، فهناك عدد من العلماء ونتيجة لتراكم التجارب والخبرات وصل إلى قناعة أنه قد يكون خارج الجماعة أنفع له وللأمة وربما للجماعة نفسها من بقائه في صفوفها.
الملاحظ أيضا أن هناك من العلماء من يؤثر الصمت تجنبا (للفتنة)، وهو من حيث الواقع قد جمد نشاطه داخل الحركة أو الجماعة سوى قدر مقبول من المجاملة والدبلوماسية، وهؤلاء كثيرون لكنه ليس من المناسب أن نخالف رغبتهم بذكر أسمائهم، مع أن أننا نختلف معهم في تقدير الموقف، فهذه التجارب والملاحظات يجب أن تطرح بكل أمانة وشجاعة كجزء من ذاكرة الأمة وخبرتها التي تعينها اليوم وغداً على الترشيد والتصحيح، وليس صحيحا التذرع بظروف المواجهة وإمكانية استفادة الخصوم أو المنافسين من هذا النقد أو هذه المراجعة، فلقد كان القرآن يشرح المواقف التي تحتاج إلى التصحيح في أحلك الظروف من مثل قوله في مكة: (عَبَسَ وَتَوَلَّى)، وقوله في بدر: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ)، وفي أحد: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)، وقال في بيت النبوة: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ..)، فالعدو يستفيد من إهمال التجربة ومحو الذاكرة، والتقاعس عن المراجعة والتقويم أكثر مما يستفيده من ذكر الأخطاء وأسبابها ونتائجها، وبهذا الوعي وهذه المسؤولية كتب الشيخ سعيد حوى كتابه المعروف (هذه تجربتي.. وهذه شهادتي).