alsharq

د. زينب المحمود

عدد المقالات 350

فقراء إلى الله

06 أبريل 2025 , 10:46م

هل تفكرتم يومًا في أَبعاد قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَراءُ إِلى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدِ)؟ وهل خطر ببالكم حقيقة فقرنا إلى الله؟ إن هذه الآية تتألف من خبرين، أولهما عن الناس وثانيهما عن الله، وقد خاطب الحق الناس بصيغة التعريف، فقال «الفقراء إلى الله»، فكأنه ليس وصفا للحالة، بل اسما للدلالة، فهم الفقراء بلا توهم أي غني ولا استغناء، مصنوعون معجونون بالفقر المدقع، ثم ثنّى ربنا بالخبر الثاني الذي يطمئن العباد عن فقرهم؛ وهو استغناؤهم بربهم، وهذا إذا استقاموا على الطريقة، وآمنوا، ولم يجحدوا اليقين والحقيقة. أما إذا ظنوا بأنفسهم الغنى، فقد أوردوها غيّها وفجورها، وولّوها شرورها. وشاء الحق تكرار لفظ الجلالة، ولم ينُب عنه الضمير العائد، وكأن استغناء الخبر الثاني عن الأول أبلغ في التعبير عن الغنى والاستغناء، فلم يربط مفردة (الغني) بمفردة (الفقراء) بضمير عائد. بل عطف فقرهم المدقع المغرق على غناه المطلق. فمن كان منا غنيا من حيث المال والثروة، فقد يكون فقيرًا من حيث الوَلد والعزوة، ومن يكون غنيًا من هذا وذاك، فقد يكون فقيرًا في صحته، ويعاني العلل والأسقام، ويحسد الناس على صحة الأجسام. هناك كثير من الأثرياء الذين تأثلوا الأموال وراكموها، ولم يقاسموها الفقراء من ذوي القربى والجيران وابن السبيل، ولكنهم محرومون من المتاع والانتفاع بها، لأسباب سلَّطها الله عليهم، لا يملكون لها ردًّا ولا يبلغون لها حدًّا، فمن الناس من تشغله أمواله حتى ليفتقده عياله، ويتوقون إليه كجليسٍ وأنيسٍ، ووالد رؤوم وزوج حميم، ويصبح بمنظارهم كالآلة، فهو المعيل وهم العالة. وهذا والله عين الفقر والبؤس، وشر ترجمة الغنى. ومن الناس من متّعه الله بحياة رغيدة وأموال مديدة، ولكن نغَّصه بفقد الأخلاء أو موت البنين. ما من إنسان يقع خارج نطاق الفقر والحرمان، مهما اشتمل عليه من المزايا والعطايا، أليس وراءه المنايا، وإزاءه الغيب محملًا بالخفايا؟! يقول أبو عبيد الهروي: «مَنْ اسْتَغْنَى بِلَهْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ، اسْتَغْنى اللهُ عَنْهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَميدٌ»، أي طرحه الله ورماه عن عينه؛ لأن المستغني عن الشيء هو تاركه. وقد عالج الهروي هذا الحديث في الآثار الغريبة؛ لما له من الإشكال الذي قد يتوهمه القارئ من ظاهر سياقه، والمعنى محمول على المجاز، لا على الحقيقة والإطلاق، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يُنذر ويحذِّر من حوله، أنَّ مَن أدركته الجمعة وهو في شأن من شؤون اللهو والتجارة، فقد باء بعين الخسارة، ويحسب أنه استغنى بتجارة أو رصيد، وقد استغنى عنه الغني الحميد، والأصل أن الله غني عن العالمين، تقيِّهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، وهو كذلك، وإنما هذا الاستغناء هو انصراف من الله عن عبده، وانعدام لنعمة إقبال الغني عليه، فكم يفقد بذلك من الغنى؟ وكم يجني من الخسار والبوار؟ فما أجمل أن نستغني بالله وحده! وما أعظم أن ندرك فقرنا وحاجتنا إليه سبحانه في كل ظرف من ظروف حياتنا وفي كل زمان ومكان! @zainabalmahmoud @zalmahmoud@outlook.com

الهندسة الميكانيكية في الحضارة الإسلامية

إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...

ظاهرٌ باطنٌ

كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ...

توّاب... يحبّ التوّابين

هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...

ما بين الحمد والشكر

هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...

المرأة في الحضارة الإنسانية

منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...

بكبريائه اهتدوا...

في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...

فلسفة وعبادة

وَفْقَ الفلسفة العلمية للرؤية والبصر، نعلم أنَّ بصر الإنسان يقع على نقطةٍ واحدة تكون بؤرة التركيز، وقِيل إِنَّ الصقر متَّعه الله بالتركيز على ثلاث نقاط، مع ما فيه من حدة بصر، فيرى فرائسه في جحور...

نفحات الرحمة

جاء الإسلام ليؤكد ما جاء به الأنبياء، وليجدِّدَ دعوتَهم ورسالتَهم التي حمَلَتْ رسائلَ رحمة إلى الناس، تطمئنُ بها قلوبهم، وتستوي بها معيشتهم، فالإسلامُ دين الرحمة، ونبيُّ الإسلام محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هو...

القدوس

ما أعظم أن نستمطر من بركات اسم الله القدوس ما يحيي أرواحنا ويزكي نفوسنا؟ وما أجمل أن نلزم من خلاله حدود الله، فنكون به أغنياء، وبإدراك معانيه والتفكر به أثرياء، فننال من الله خير الجزاء!...

المساجد... منارات علم وحضارة

ارتبط مصطلحُ المسجدِ بالإسلامِ ارتباطًا وثيقًا، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ المسجدَ لم يكن موجودًا قبل الإسلام، فالمسجدُ مرتبطٌ بأنبياء الله عزّ وجلّ، وبدعوتِهم، بصفته مكانَ صلاةٍ وتعبّدٍ واتصالٍ بالله عزّ وجلّ، وهذا يعني أنّ...

الحليم

يقصد بالحليم في حق الجناب الأعلى، والمقام الرباني الأسمى، الموصوف بالأناة بالعباد؛ فلا يعجّل عذاب عبيده عند كل تجاوز لحدوده، بل يرزقهم ويكلؤهم، ويمد لهم من دوحة العمر، ويوسع لهم بحبوحة الحياة؛ حتى تقوم عليهم...

من لطائف الإسراء

من اللطائف القرآنية التي تشدّ أهل اللغة والبيان، وأهل التفسير والتبيان، إتيان أسماء الله العلية، غالبًا، في خواتم الآي الشريفة، وربما كثير من المفسرين مرّ عليها مرورًا عابرًا، ولم يتوسع في الشرح؛ لأنها من الفواصل...