


عدد المقالات 314
بجوار بيتنا مدرسة، جرسها مزعج، يقرع بقوّة إيذاناً ببدء يوم جديد.. النغمة نفسها التي تعيدك أعواماً إلى الوراء؛ لكنه توقّف عن الرنّ. سبب توقّف الجرس هذا العام لم يكن لانتهاء العام الأكاديمي كالعادة، وإنما بسبب «كوفيد - 19» الذي فرض إغلاق الفصول الدراسية حفاظاً على السلامة العامة. وبعد أن كانت هذه المدرسة تضجّ بالحركة والحياة، أصبحت هادئة، إلى حدّ التأمل بما وصلنا إليه، ما كنّا فيه، وما نحن مقبلون عليه. ببساطة، لم أكن أحبّ فكرة المدرسة، وبالتالي كنتُ لا أستسيغ مشهد الأطفال وهم يحملون على ظهورهم حقائب ثقيلة كالسنوات التي تنتظرهم في مراحل تعليمية متتالية، تنهش عمر الإنسان وسنواته، ليصل إلى نقطة يبدأ فيها مشوار البحث عن وظيفة مملّة، وفي أفضل الأحوال مملّة مع راتب جيّد. وكنتُ أثناء استعدادي للذهاب إلى العمل، أطلّ على تلك المدرسة من نافذتي صباحاً، وأسأل نفسي: لماذا نجبر هؤلاء الأطفال على الاستيقاظ في الصباح الباكر، ومن ثَمّ نضعهم في بوتقة واحدة، نكرّر على مسامعهم يومياً -ولمدة ثماني ساعات- المواد نفسها؛ من رياضيات وعلوم وتربية ولغات، لن يذكروا منها إلا القليل فيما بعد؟! وكنتُ أيضاً أشكّك في مستقبل هؤلاء الأطفال، متسائلة: ما الذي سيكون بمقدور هؤلاء الطلاب أن يفعلوا حيال حياتهم؟ ما الذي سيتغيّر في هذا العالم بين مرحلة كنّا فيها بمكانهم، وهم سيصبحون في مكاننا، وهكذا دواليك؟ ما الذي سيضيفه هؤلاء إلى العالم؟ في أحسن حال سيكون هناك منهم المهندس والطبيب والباحث والممرض والصحافي والمحامي.. وماذا بعد؟ لم أجد إجابة حينها تُقنعني، وربّما ما كان يُلهيني عن تلك التساؤلات هو رائحة العطر الصباحي الفرنسي المفضّل لديّ من «كارتييه - قُبلة مسروقة»، وفنجان ساخن جداً من القهوة، وتمرة، وأغنية لفيروز، يتبعها استخدام طريق بديل خلف المدرسة، كي لا أقع فريسة لزحمة السير، أو أكون مصدر قلق لأهل يهرولون في سباق مع الجرس والزمن. حالياً، يغيب مشهد زحمة السير والآباء والأمهات والأطفال الطلاب والمعلّمة عن ناظري منذ نحو 80 يوماً، لم أعد ألمح ذلك الطفل الذي يُسارع الخطوة للقاء معلّمته ذات الفستان الأصفر، ولا تلك الطفلة الشقراء التي تتغنّى بضفائرها، ورجل الأمن التابع للمدرسة -الذي كنتُ أحاول تخطيه- كي لا «يأمرنا» بالانتظار لمرور الطلاب وأهلهم وأسرتهم وحقائبهم... وإلخ. اليوم.. أدركتُ أننا كنّا نأخذ الكثير من النِّعم وكأنها حقٌّ لنا، لم أكن أتساءل كم من هؤلاء الأطفال سيتمكّن من إنقاذ الناس، وكم منهم سيكبر ليكون سنداً لأم وأب، أو ربما أخاً حنوناً، أو زوجة قوية وشريكة في مشقّات الحياة.. كنتُ أرى هؤلاء الأطفال كموظفين، ولم أكن أنظر إليهم بعين الإنسان. ربّما لأنني كنتُ أرى نفسي حينها كموظفة فقط، مبرمجة، أنهض لأذهب إلى الدوام، وأنام لأصحو على الروتين. 80 يوماً وأصبحت نافذتي ترسم لي مشهداً جديداً، مشهد لا أرى فيه مبنى تقليدياً، بل موطناً لصنع الذكريات في حلوها ومُرّها، وباحةً لكسب الأصدقاء، ووجهةً للمعرفة لا لحفظ الدروس على مبدأ الثواب والعقاب. التأمل في الحياة نعمة، ومن يسأل نفسه عن قيمة الإنسان سيجدها حتماً بجوار بيته.. هنا تحديداً في مدرسة الحياة.
على مدى خمسة وعشرين عامًا، عاش العالم الإسلامي، وتحديدًا الخليج العربي، في ظلّ ما يمكن تسميته بحقبة 11 سبتمبر، حيث ارتبط حضوره في النظام الدولي بسؤال الإرهاب، وبسعيٍ دائم إلى تحسين صورته أمام الغرب، ووجد...
القضية في لبنان ليست قضية سلاح حزب الله فحسب، فالسلاح ليس إلا جزءًا من أزمة أوسع تحاول الأغلبية تجاوزها؛ إنها أزمة دولة عاجزة عن إقناع مواطنيها بأنها المرجع الأول للاستقرار والطمأنينة، وأن اللبناني لابُد وأن...
تخيّل أن العالم بأسره قد حُشر على متن طائرة عملاقة، أقلعت ولا تملك إحداثيات للهبوط. قائدها مجهول، يتواصل مع الركّاب عبر طاقم يعمل من خلف الستار، ويستعين بطيار آلي لا أحد يعلم مدى أهليته أو...
جلسة لمدّة ساعة ونصف بـ5951 ريالًا قطريًا، أي نحو 1630 دولارًا أمريكيًا. تلك هي تكلفة الجلسة الاستشارية مع أحد مستشاري العلاقات والسلوك الإنساني وجذور الصدمات المشهورين في عالمنا العربي، أو ما يُعرف اليوم بـ «مدرب...
مضادات تعترض صواريخ، واتصالات تتوالى لاحتواء التصعيد، وتهديدات واعتداءات، وأنظمة تبحث عن النجاة، وشرق أوسط جديد يتشكل، ومنعطفات تاريخية تضع سلوك الدول تحت المجهر.وسط هذه التوترات، برزت قطر مجدداً في سياسة خارجية متعددة الاتجاهات؛ لتكرس...
«لا أستطيع أن أُحصي عددًا دقيقًا لتكرار عبارة (نقلاً عن هيئة البث الإسرائيلية) في وسائل الإعلام العربية منذ عملية طوفان الأقصى حتى اليوم؛ لأن ذلك يتطلب مسحاً شاملاً لأرشيف إعلامي هائل. لكنني أستطيع التأكيد، وبثقة...
الخطاب السياسي والإعلامي العربي عموماً واللبناني تحديداً أخفق في إنصاف اللبنانيين؛ فقد اتضح في هذه الأزمة التي يعيشها لبنان أن اللغة السياسية والإعلامية منفصلة كلياً عن الألم اليومي، وأن الإعلام فقد وظيفته الأساسية في ترتيب...
لسنا فئران تجارب، لكننا نُقتل كالفئران داخل مختبرٍ مفتوح اسمه الشرق الأوسط. من ينجو من تجارب الحروب، يُحتجز حيّاً داخل دورة لا تنتهي من الاختبارات السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والأيديولوجية، والتقنية. مرّة باسم القضية، ومرّة باسم...
التشخيص الدقيق هو الخطوة الأولى في العلاج الصحيح، بل هو الأساس الذي يُبنى عليه كلّ مسار لاحق، سواء في الطب أو في السياسة أو في حياتنا اليومية. فبقدر ما يكون التشخيص دقيقاً، تكون الاستجابة فعّالة،...
المطلوب من الجميع التحلّي بأخلاقيات «اللعب النظيف» ولو ليوم واحد بالسنة، إذا تعذر ذلك في بقية العام. ومن الأفضل أن يكون ذلك في 19 مايو. فالأمم المتحدة تحتفل بـ «اليوم العالمي للعب النظيف» للعام الثاني...
هل نحن أمام تحولات زمنية عابرة أم مشهد مُنسّق بعناية؟ لقد اجتمع كبار القادة العسكريين في وزارة الحرب الأمريكية وصنّاع القرار في الحكومة الأمريكية، وشركات الصناعية الدفاعية، في 23 أبريل، للإعلان عن تحقيق «التقدّم» في...
كشف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مؤخراً أنه يدرس بجدية انسحاب بلاده من (الناتو) بعد امتناع الحلف عن الانضمام إلى الحرب الإسرائيلية الأمريكية -الإيرانية. يأتي هذا التهديد بعد أشهر قليلة من توقيع ترامب مذكرة رئاسية تقضي...