قصة تحرير ونهضة
03 ديسمبر 2012 , 12:00ص
بعدما قضى عشرين عاما في جنوب إفريقيا، رجع غاندي إلى الهند عام 1913 فوجد الاحتلال البريطاني يمارس الظلم والقهر والعنصرية وينهب الثروات ويزرع العداوات بين طوائف الشعب، فاستنكر غاندي مرارا تصرفات الحكومة الإنجليزية تجاه شعبه، وشجب إخلافها لوعودها بشكل مستمر.
لقد استطاع غاندي بسجيته الودودة وشخصيته المتسامية ومنهجه المتسامح أن يوحد شعوب الهند بطوائفها المختلفة خلفه، ورغم تعديات الاحتلال الإنجليزي الاستفزازية الدائمة وضغوط الشعب المستمرة عليه، فإنه لم يحد أبداً عن فلسفته المتمثلة في المقاومة اللاعنفية للمستعمر، وكان يرى أن التسامح المصحوب بالقوة النفسية هو الطريق الصحيح.
لقد ظل غاندي ينادي بالإصلاح المتدرج نحو الاستقلال الداخلي تحت حكم التاج البريطاني، أملا أن تصبح الهند مثل أستراليا وكندا حتى عام 1918، إلا أنه سرعان ما تخلى عن هذه السياسية بسبب حادثة «أمريستار»، عندما قامت القوات البريطانية بإطلاق النار على تجمع شعبي تعداده عشرة آلاف شخص، ثم ما قام به الجنرال داير إمعانا في الظلم والإهانة من جمع مجموعة كبيرة من الهنود في ميدان عام وأطلق عليهم النار، وأمر كل من يمر من الهنود أمامه بالزحف على ركبتيه، بسبب أن بعض سكان هذه المدينة اتهموا دون أدلة بقتل بعض نساء الإنجليز، فأدى هذا الأمر إلى ثورة الشعب الهندي بقيادة حزب المؤتمر الوطني تحت قيادة غاندي الذي أصبح قائدا ملهما للأمة.
وبعد ذلك أعلن غاندي أن أي تعامل مع الحكومة الشيطانية «الإنجليزية» أمر محرم، وطرح فلسفته التي تقوم على محورين: الأول الدعوة للاستقلال النفسي والاعتماد على القوة الروحية لكي يقابل العسف والمصادرة والإهانة بقلب جريء، والمحور الثاني الدعوة للاستقلال الاقتصادي عن المحتل باتخاذ المغزل إيثارا للقماش الهندي ومقاطعة البضائع الإنجليزية.
لقد قاد غاندي الأمة الهندية في ظروف تاريخية حرجة، ووسط طريق مليء بالتحديات والمصاعب، حتى نجح مع رفاقه في تحقيق الاستقلال لشعبه دون أن يحيد عن نهجه السلمي، لقد حقق مع رفاقه إنجازا عظيما للشعب الهندي متمثلا في الحرية والاستقلال.
ومع هذا فإنه قام بعمل أعظم من ذلك، وهو سعيه الجاد لتحقيق التآلف بين طوائف المجتمع والوقوف بكل قوة في وجه الصراعات الطائفية ودعوات الكراهية والحقد بين أبناء شعبه، فعندما انفصلت باكستان عن الهند -وهو ما كان غاندي يعارضه- أشيع أن الهندوس يتعرضون لاضطهاد وقتل في باكستان، مما جعل جماعات هندوسية متطرفة تمارس القتل والاضطهاد ضد المسلمين في الهند بشكل واسع، عندها أعلن غاندي الصيام حتى الموت إذا لم يكف الهندوس عن اضطهاد المسلمين، وخاطب الأمة قائلا: إما أن تحيوا فأحيا وإما أن تموتوا فأموت قبلكم. إن المسلمين والهندوس هما عينا الهند، فإذا أصيبت عين بالأذى نال الأذى العين الأخرى، وإني أقول: أيها الهندوس يجب عليكم حماية المسلمين في الهند حتى لو هلك جميع الهندوس في باكستان.
وتعليقا على كلمة غاندي، خاطب نهرو الأمة قائلا: إذا لم تضعوا حدا للأحقاد والضغائن التي تفرق بين مختلف طوائف الشعب، فسوف تنوء ضمائركم بالعذاب لموت أب الهند، فما كان من حكومة الهند ورؤساء الأحزاب إلا الرضوخ، فوقعوا عهدا لتحقيق الشروط التي تضمن حماية ومصلحة المسلمين.
وفي عام 1984 تناول غاندي آخر وجبة في حياته في منتصف الخامسة مساء، ثم خرج من بيته ذاهبا لأداء الصلاة متكئا على حفيدتيه، وفي الطريق كان الناس يستقبلونه بالتحية والتقدير ويفسحون له الطريق ويحيونه، حتى وقف أمامه هندوسي متعصب وأطلق عليه ثلاث رصاصات كانت فيها نهاية حياته، وكانت آخر كلمة نطق بها: يا إلهي. ثم خاطب الرئيس جواهر نهرو الشعب بواسطة الراديو قائلا: إني أعجز عن التحدث إليكم.. إن غاندي قد مات!
لقد قتل غاندي من أجل وقوفه بقوة في وجه قتل المسلمين واضطهادهم فدفع حياته ثمنا لذلك، إنه موقف أخلاقي عظيم من شخصية تاريخية عظيمة.
إن الأمم الحية في اللحظات المفصلية من تاريخها لكي تنهض وتحقق حلمها، لا بد أن تفرز قيادات فذة تتصف بالعلم والحكمة كما تتصف برسوخ القيم والمبادئ الأخلاقية، وتمتلك رؤية طموحة وتتميز بالعفة والزهد والشجاعة، تسمو بها عن المصالح الشخصية والمطامع الضيقة.
فغاندي مثلا أنهى دراسته في القانون في بريطانيا، ثم أمضى عشرين عاما في جنوب إفريقيا داعيا للحقوق المدنية ومقاوما للعنصرية والظلم، إضافة إلى ما تميز به من قيم أخلاقية عالية ورؤية مستقبلية ناضجة أكسبته القدرة على قيادة حركة التحرر والاستقلال في بلاده.
إن التأكيد على أهمية القيادات المؤهلة لقيادة الأمم والمتسمة بصفات مميزة ليس كلاما عاطفيا ولا أماني مجردة، بل هو سنة كونية ومطلب شرعي. قال تعالى: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)، وقال عليه الصلاة والسلام «ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى»، أي أصحاب الحلم والرأي والحكمة.
فإنه قد يتحقق القائد في لحظة من اللحظات صواب ما يخالفه فيه الجم الغفير، كما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية؛ حين امتعض أكثر الصحابة من شروط الصلح ورأوها مجحفة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم مضى في طريقه وحسم أمره فحلق فتبعه الناس، ثم اتضحت فيما بعد حكمة قراره بما حققه المسلمون من نجاحات، وكذلك تعرض غاندي لعدة ضغوط للتخلي عن نهجه السلمي فلم يفعل واستمر بنهجه حتى حقق النجاح.
إن أخطر ما يواجه أي أمة تريد النهوض أمرين: أولهما الفوضى وانفلات العواطف الجامحة.
وثانيهما إسناد القيادة لغير الأكفاء «الجاهلون والمغرضون»، فالجاهل يريد أن ينفع فيضر، والمغرض يبيع الشعوب بالتافه! كما قال الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراةَ لهم ولا سراة إذا جهَّالهم سادوا
أما الطريق الصحيح لنهوض الأمم والشعوب فهو وجود قيادات حكيمة تتصف بالإخلاص والنزاهة ومكارم الأخلاق وتمتلك تأثيرا حقيقيا في نفوس شعوبها، فتقودهم إلى الحرية والاستقرار والنمو والرفاهية حتى ترسو بهم على بر الأمان.
تُهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحتْ فإن تولت فبالأشرارِ تنقادُ