alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 42

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 01 أكتوبر 2026
قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة
محمد يوسف العركي 03 أكتوبر 2026
الفن الفارغ «Vacant Art»
خالد محمد مفتاح 03 أكتوبر 2026
تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعلم
رأي العرب 01 أكتوبر 2026
دعم القطاع الصناعي

الخليج وإعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة

21 أبريل 2026 , 09:46م

لم يعد الخليج ساحة تستقبل الضربات بصمت، أو منطقة تكتفي برد الفعل على الأزمات. المشهد الإقليمي اليوم يشهد تحولًا نوعيًا في طبيعة التعاطي والتعامل الخليجي مع المخاطر والتهديدات، من منطق الاحتواء إلى منطق المحاسبة. 
دول الخليج العربي وفي مقدمتها قطر والسعودية والبحرين والإمارات والكويت، لا تتعامل مع تداعيات المواجهة الأخيرة بوصفها مجرد أزمة عابرة، بل كمنعطف استراتيجي يعيد تعريف أدواتها في إدارة الصراع ومخرجاته.
فخلال الأسابيع الأخيرة، برز تحرك منسّق وواسع النطاق من قبل قطر والسعودية والبحرين والإمارات والكويت على مستوى المنظمات والمؤسسات الدولية، خصوصًا داخل مجلس الأمن، وبالاستناد إلى آليات قانونية مثل لجنة الأمم المتحدة للتعويضات، بهدف مواجهة الآثار المترتبة على الهجمات الإيرانية، وتحويل الكلفة من عبء تتحمله الدول المتضررة إلى مسؤولية قانونية تقع على الطرف المعتدي.
هذا التحول لا يُعد تفصيلًا إجرائيًا في السياسة الخارجية الخليجية، بل يمثل إعادة صياغة لقواعد الاشتباك في المنطقة. فالمبادرة لم تعد حكرًا على القوى الكبرى، ولا إدارة الأزمات حكرًا على المنظومات الدبلوماسية التقليدية. إنها لحظة فارقة تُعيد تعريف مفهوم السيادة الإقليمية: سيادة قادرة على المحاسبة لا على التكيف السلبي.

أمن الخليج غير قابل للمساومة
الدوحة كانت أول من خطا خطوة علنية في هذا الاتجاه، حين رفعت رسالة رسمية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، واضعة إيران أمام معادلة جديدة: العدوان له ثمن، والثمن سيُدفع. المطالبة القطرية بالتعويضات ليست مجرد موقف سياسي؛ إنها إعلان عن نهاية مرحلة كان الإفلات من المسؤولية يُعتبر فيها قاعدة التعامل الإقليمي.
المسار الذي تطلقه قطر يعتمد على المنهج القانوني الدقيق في تقييم الأضرار وملاحقة المسؤوليات حتى آخر دولار، ليس بأسلوب الدعوات الرمزية، بل عبر أدوات دولية ذات قوة إلزامية. وهذا ما يجعل الرسالة أبعد من كونها رد فعل غاضب، إنها تأسيس لسابقة إقليمية جديدة، تُعلن أن الخليج لن يقبل بعد اليوم أن يُقصف ويصمت، أو يُستهدف ويُساوم.
التحرك الجماعي الذي يقوده مجلس التعاون لدول الخليج العربية عزّز زاوية الصياغة السياسية لهذا التحول. دعوة الأمين العام جاسم البديوي لمجلس الأمن للتدخل لم تكن مجرد بيان دبلوماسي، بل إنذار استراتيجي واضح مفاده أن أمن الخليج لم يعد تفصيلًا في حسابات القوى الكبرى. فالمعركة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز تتجاوز الجدل الفني حول طرق النقل البحري؛ إنها تتعلق بمن يمتلك القرار في الشريان الحيوي الذي يعتمد عليه الاقتصاد العالمي.
بهذه الرسالة، يضع الخليج العالم أمام خيار واضح: إما نظام دولي يحمي الاستقرار ويصون حرية العبور، أو فوضى سيدفع ثمنها الجميع. هذا الموقف يرسّخ فلسفة جديدة في السياسة الأمنية الخليجية، تقوم على مبدأ المبادرة لا الاستجابة، وعلى رفض تحويل موقعه الجغرافي إلى مساحة رهينة لتوازنات قسرية أو مغامرات غير محسوبة.

لا اتفاق دون مشاركة خليجية
الشق السياسي الأعمق في هذا التحول يتعلق بإعادة تعريف موقع الخليج في معادلة التفاوض مع إيران. فالتجارب السابقة أثبتت أن أي اتفاق يُطبخ خارج الإقليم يولد ميتًا، لأن الأمن الحقيقي لا يُستورد ولا يُفرض من الخارج. ولذلك تتعامل دول الخليج اليوم مع أي نقاش دولي حول مستقبل الاستقرار في المنطقة من منطلق إلزامي: لا مفاوضات ذات جدوى من دون حضور خليجي فاعل.
إنها ليست رفاهية دبلوماسية، بل ضرورة استراتيجية تفرضها حقائق الجغرافيا والسيادة. فدول الخليج لم تعد تقبل أن تُدرج في الهامش، بل تفرض نفسها كفاعل مركزي لا يمكن تجاهله، وصاحبة حق لا تابع في تقرير مصير الإقليم. ومن يريد استقرار المنطقة عليه أن يُفاوض أهلها لا وكلاءها.
ما تقوده دول الخليج اليوم هو في جوهره استعادة لتقليد راسخ في النظام الدولي المعاصر: مبدأ المحاسبة. فبعد غزو العراق للكويت عام 1990، لم تترك الأمم المتحدة المسألة للبيانات السياسية، بل أنشأت لجنة التعويضات التي ألزمت العراق بدفع مليارات الدولارات للضحايا. وحتى في سياقات تاريخية أوسع، دفعت ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية ثمن عدوانها عبر اتفاقيات طويلة الأمد كاتفاق لوكسمبورغ مع إسرائيل ودول أوروبا، حيث تحولت التعويضات إلى جزء من إعادة اندماجها الدولي.
هذه السوابق تمنح التحرك الخليجي شرعية متكاملة. فالمعادلة ثابتة عبر الزمن: من يعتدي يدفع، ومن يرفض الدفع يبقى خارج النظام. إن سلوك الخليج اليوم هو إعادة إحياء لهذه القاعدة التي حمت النظام الدولي من الانزلاق إلى الفوضى المطلقة.

كتابة قواعد جديدة
القيمة الجوهرية لهذا المسار لا تكمن فقط في استعادة الخسائر المادية، بل في تأسيس منظومة ردع مستقبلية جديدة. فعندما يدرك أي طرف أن العدوان سيُترجم إلى فاتورة باهظة تُطارد مسؤوليه اقتصاديًا وقانونيًا، تصبح الحرب قرارًا مكلفًا لا مغامرة سياسية قابلة للاحتواء لاحقًا. هنا تتحول التعويضات إلى أداة استراتيجية تكتب مسبقًا كلفة الحرب ضمن حسابات الردع.
بهذا المفهوم، يصبح السعي الخليجي إلى المحاسبة ليس مجرد دفاع عن الذات، بل مساهمة في استقرار النظام الدولي نفسه، حيث الفوضى لم تعد خيارًا دون ثمن، والعدوان لم يعد بلا حساب. ما يجري اليوم يمكن وصفه بأنه إعادة صياغة لدور الخليج في النظام الإقليمي والعالمي. من ساحة تُدار فيها الصراعات إلى منصة تُعاد فيها صياغة القواعد، يُثبت الخليج أنه بات فاعلًا يمتلك الإرادة والرؤية. السيادة لم تعد شعارًا، بل ممارسة؛ والأمن لم يعد مادة تفاوض، بل خطًا أحمر يُبنى عليه القانون والسياسة معًا.
إنها لحظة نادرة في التاريخ السياسي للمنطقة: حين يقرر المتضرر أن يكون صاحب القاعدة لا ضحيتها. وإذا استمر هذا المسار، فإن مرحلة ما بعد الحرب ستختلف جذريًا عن كل ما قبلها، لأن المعادلة تغيّرت جذريًا من يطلق النار سيدفع، ومن يحمي القانون سيكتب مستقبل الخليج.

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...

السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...

حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...

التعليم في قطر: بين إدارة المؤسسات وصناعة المستقبل

ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...

العرب ومعركة الحاضر والمستقبل

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...