


عدد المقالات 1
بالنسبة لكثير من المراقبين، كانت الحرب حتمية. وبالنسبة للبعض، كانت ضرورية. يجادل كثيرون بأن برنامج إيران النووي وصواريخها الباليستية يشكلان تهديدًا لأمن المنطقة. ويضيفون أنه منذ عام 1979، حاولت إيران تصدير ثورتها إلى دول المنطقة. كما أن دعمها للحركات المسلحة في لبنان وفلسطين واليمن أو العراق كشف عن دوافعها التوسعية، بالتالي الحرب معها حتمية. بعد أكثر من 50 يومًا، كان للحرب أثر مدمر على المنطقة والعالم. فقد أدى حصار إيران لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 بالمائة من النفط والغاز المسال، إلى احتمال خسارة العالم ما يقارب 50 مليار دولار من النفط الخام، وفقًا لوكالة رويترز. وقد ارتفعت أسعار الطاقة حول العالم مما تسبب في اضطرابات اجتماعية واقتصادية، خاصة في الدول الفقيرة. كما أدى استهداف إيران للبنية التحتية العسكرية والمدنية في دول الخليج العربية إلى تعطيلات كبيرة في المطارات والتجارة. ويقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الحرب قد تكلف الدول العربية ما يصل إلى 194 مليار دولار. أما إيران فتقدّر خسائرها الاقتصادية بنحو 270 مليار دولار، مع سقوط 3400 قتيل. وبينما يعتقد كثيرون أن الحرب اندلعت لمواجهة التهديد الإيراني، فإن الأدق هو أن إسرائيل والولايات المتحدة ضربتا إيران لأنهما اعتبرتاها ضعيفة. ويعود هذا التصور إلى ما نعرفه في العلاقات الدولية بـ «الغطرسة». فالغطرسة هي الثقة المفرطة لدى الدول والقادة السياسيين التي تدفعهم إلى المبالغة في تقدير قوتهم وسوء الحساب. وغالبًا ما تعاني الدول من الغطرسة بعد تحقيقها نجاحات معينة، وهذا ينطبق على كل من إسرائيل والولايات المتحدة. لقد أضعفت حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة بين عامي 2023 و2025، وهجومها على حزب الله الذي أطاح بقيادته، اثنين من أبرز خصومها. وفي ديسمبر 2024، انهار نظام بشار الأسد. ثم وسّعت إسرائيل احتلالها لمرتفعات الجولان إلى جنوب سوريا. وقد أدى سقوط الأسد إلى فصل إيران عن حزب الله وكشف إيران على المستوى الجيوسياسي. وفي يونيو 2025، استهدفت إسرائيل والولايات المتحدة البرنامج النووي الإيراني والبنية التحتية العسكرية، وقتلتا عددًا من كبار القادة الإيرانيين. هذه النجاحات حفزت إسرائيل، فقد اعتقد رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، أن إسرائيل «تغيّر وجه الشرق الأوسط». ورأى أن لدى إسرائيل القدرة على العثور على جميع أعدائها في المنطقة واستهدافهم. ولم تعد تسعى فقط إلى البقاء كما كانت تؤكد السردية السائدة سابقًا، بل إلى الهيمنة في الشرق الأوسط. وأعلن نتنياهو بفخر أن إسرائيل تواجه «محوراً شيعياً جريحاً» وآخر من «المحور السني للإخوان المسلمين». كما سمّى قادة إسرائيليون تركيا كهدف لاحق، وبدأوا يتحدثون عن «إسرائيل الكبرى». في هذا السياق، سعت إسرائيل إلى شن حرب على إيران بهدف إسقاط نظامها، وإثارة الاضطرابات الداخلية، وتحويلها إلى دولة مفككة وفاشلة مثل سوريا والعراق. وقد شكَّل «ضعف» إيران المتصور فرصة ذهبية لإسرائيل للسعي نحو الهيمنة في الشرق الأوسط. ثم أقنعت إسرائيل الولايات المتحدة بخوض الحرب. وبالنسبة للولايات المتحدة، لم تكن الحرب حتمية ولا ضرورية. ففي الواقع، كانت الولايات المتحدة منخرطة في مفاوضات مع إيران، التي كانت في أمسِّ الحاجة إليها في ظل مواجهة نظامها معارضة داخلية وأزمة اقتصادية. وكان بإمكان الولايات المتحدة تحقيق أهدافها في إيران دون حرب. لكن الولايات المتحدة كانت تمر أيضًا بحالة من الغطرسة، لها مصدران. الأول ينبع من تصور الإدارة، وخاصة الرئيس دونالد ترامب، للقوة العسكرية الأمريكية التي لا تُضاهى. فقد تجاهلت إستراتيجية الأمن القومي علنًا الأعراف والقوانين الدولية. كما تحدث ترامب صراحة عن ضم كندا وغرينلاند. أما المصدر الثاني فكان العملية العسكرية السريعة والفعالة في فنزويلا، التي أدت إلى القبض على نيكولاس مادورو في 3 يناير 2026. وقد غيّر هذا التدخل ميزان القوى في فنزويلا فورًا لصالح الولايات المتحدة، مانحًا إياها السيطرة على ثروة البلاد النفطية. لقد شكّل النجاح في فنزويلا والضغط الإسرائيلي تصورات الولايات المتحدة تجاه الحرب على إيران. فالتصور بضعف النظام الإيراني، والتوقع بعملية عسكرية سريعة من شأنها إضعافه وإشعال انتفاضة داخلية أو تغيير القيادة، دفع الولايات المتحدة إلى خوض الحرب. إلا أن رد إيران، بما في ذلك إغلاق المضيق وإطلاق الصواريخ على إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة، خالف هذه التصورات، مما أدى إلى حرب كارثية تعيشها المنطقة والعالم. اللجوء إلى الحرب لم يكن حتمياً. بل تُظهر هذه الحرب أن سوء تقدير الولايات المتحدة وإسرائيل يعود إلى الغطرسة، والتي لولاها لكان من الممكن إيجاد مخارج أخرى للتعامل مع إيران.