


عدد المقالات 58
ولد عام 804هـ بمدينة طوس من بلاد فارس واهتم به والده صغيرا فحفَّظه القرآن وعلمه الفقه الشافعي، ثم تعلم آداب الحكم والسلطنة، بدأَ العملَ السّياسي في بداية شبابه مع داوود بن مكيال السلجوقي أخي الحاكم السلجوقي الكبير طغرل بك، وبعد تجربة سنين أُعجب داوود بذكائه وحكمته كما بهره ما رأى فيه من كريم الأخلاق والكفاءة الإدارية وحُسن تدبيره للأمور، فألحقه بخاصّة أبنائه ألب أرسلان وقال له: «اتخذ منه والدا ولا تخالفه فيما يشير عليك». إنه عبقري الشرق الوزير الفذ «نظام الملك» الذي أعزَّ الله به الإسلام بعد ضعف ووحشة، وصفه المؤرخ ابن الأثير فقال كان: «عادلا حسن السيرة كريما شفوقا على الرَّعية كثير الدعاء لله والصدقة على الفقراء»، وعندما تُوفيَ طغرل بك تولى الحكم ألب أرسلان فأسند له أمر الوزارة والتي كانت بمنزلة رئاسة الوزراء اليوم وهذه من مميزات فصل المُلك عن رئاسة الوزراء، فقام نظام الملك بمسؤولياته خير قيام وبرهن على قُدرات إدارية فائقة وعقلٍ استراتيجي جبار ومواهب وقُدرات عظيمة، وصحب السلطان ألب أرسلان عشر سنين بلَّغه بها ذروة المجد في زمانه. وفي عام 463هـ وقعت إحدى معارك الإسلام الكبرى (ملاذكرد) وكانت قوات الروم أكثر بعشرة أضعاف من قوات السلطان، ولما حان وقت المعركة قال ألب أرسلان: إني أحتسب عند الله تعالى نفسي فإن سعدت بالشهادة ففي حواصل طيور خضر، فمن أحب أن يتبعني منكم فليتبعني، ومن أحب أن ينصرف فليمض فما هاهنا سلطان يأمر ولا عسكر يؤمر فإنما أنا اليوم واحد منكم وغاز معكم، فمن تبعني ووهب نفسه لله تعالى فله الجنة أو الغنيمة، ومن مضى حقت عليه النار والفضيحة فقالوا: مهما فعلت تبعناك فيه وأعناك عليه، فبادر ولبس البياض وتحنط استعداداً للموت وقال: إن قتلت فهذا كفني، ثم وقع الزحف بين الطرفين ونزل السلطان ألب أرسلان عن فرسه ومرغ وجهه بالتراب وبكى لله تعالى وأكثر من الدعاء ثم حمل على الأعداء، وصدق المسلمون الله وصبروا وصابروا حتى زلزل الله الأعداء وقذف الرعب في قلوبهم، ونصر الله المسلمين عليهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا منهم جموعاً كبيرة، كان على رأسهم ملك الروم نفسه الذي أسر وأحضر ذليلاً إلى السلطان. وبعد ألب أرسلان رجح نظام الملك كفة ابنه ملكشاه في الحكم بعد والده، وحدث في بداية حكم ملكشاه أن انفلت أمر العسكر وبسطوا أيديهم في أموال الناس، وتعرض الناس لأذى شديد، فذكر ذلك نظام الملك للسلطان، وبين له ما في هذا الفعل من الضعف، وسقوط الهيبة ودمار البلاد، فقال له: افعل في هذا ما تراه مصلحة، فأجاب له نظام الملك: ما يمكنني أن أفعل إلاّ بأمرك، فقال السلطان: قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك فأنت الوالد فظهرت من كفايته وحسن سيرته ما أثلج الصدور. لقد أسس لملكشاه دولة قوية الأركان نشر فيها العدل والدين والرخاء الاقتصادي على رقعة واسعة جدا من الأرض، تمتد من كاشغر في أقصى بلاد الترك (آسيا الوسطى) إلى بيت المقدس طولا، ومن حدود القسطنطينية إلى بحر الهند عرضا. مكونات المشروع الإسلامي لقد استشعر نظام الملك خطورة المرحلة التاريخية التي تعاني منها الأمة فأسس مشروعا إسلاميا يتكون من ثلاثة مرتكزات وهي: 1 - قوة البناء الداخلي حيث اهتم بالتنظيمات الإدارية وكانت الإدارة التنفيذية بيده فأشرف على رسم السياسة الداخلية والخارجية وحارب الفساد، واهتم بالبريد حيث كان مصدر الأخبار وأسس جهازا خاصا بمراقبة الولاة والقضاة، وكان حريصا على رفع الظلم وإقامة العدل بين الناس. 2 -الجانب الفكري: شعر نظام الملك بمدى خطورة المد الباطني فكريا وحاجة الدولة إلى وجود مشروع فكري قائم على الكتاب والسنة يعطي لها روحا وقيمة، لذلك أنشأ مدارس علمية سُمّيت بالمدارس النظامية من أجل نشر الإسلام الصحيح والوعي لمواجهة الغزو الفكري الباطني الذي يجتهد الأزهر الفاطمي في نشره، فأسس عدة مدارس أقرب ما تكون من جامعات في كُلٍّ من بغداد والموصل والبصرة وأصبهان ونيسابور بل قيل: إنه أسس في كل مدينة عراقية وخراسانية مدرسة وأنفق عليها أموالا طائلة وأوقف عليها أوقافا عظيمة، ورتب رواتب مجزية للمدرسين والطلبة وجلب لها أفضل علماء عصره، أمثال أبي حامد الغزالي والجويني إمام الحرمين وغيرهما، فاستطاعت هذه المدارس إحياء المذهب السنيَّ ومحاربة المشروع الباطني فكريا والقضاء على الأفكار الهدامة، كما أسهمت في إحياء روح الجهاد، ونشر قِيَم التضحية والعطاء فكونت ثقافة ذلك الجيل والأجيال التي بعده وتخرج منها علماء كبار كانوا مشاعل نور أمثال ابن عساكر والعز بن عبدالسلام والإمام النووي وغيرهم. 3 - الجانب العسكري: بالإضافة إلى القدرات السياسية الفذة للوزير نظام الملك فإنه كان على دراية كاملة بشؤون الحرب وميادين القتال، وقد صحب السلطان ألب أرسلان في معظم حروبه بما فيها معركة ملاذكرد، كما قاد الجيوش بنفسه، وقد اهتم نظام الملك بالبعد الجهادي لما لمس من الحاجة إليه في تلك المرحلة الحساسة فأنشأ مدارس عسكرية تعلم فنون القتال والحرب والخطط العسكرية، وأضاف إليها التربية الإيمانية والآداب الأخلاقية فتخرج منها قيادات عسكرية عظيمة تحمل الإيمان الحي ومكارم الأخلاق إضافة للمهارات العسكرية المتميزة، وكان من ثمارها أبطال عظماء أشهرهم عماد الدين زنكي وابنه نور الدين وصلاح الدين وغيرهم. أهم إنجازات مشروع نظام الملك والدولة السلجوقية: 1 -بناء القوة الداخلية للدولة على أسس أنظمة إدارية متينة تربط أجزاء الدولة المترامية، كما اهتم ببناء قوة اقتصادية وحرص على إقامة العدل بين الرعية. 2 -تأسيس المشروع الإسلامي السني الذي أصبح الرؤية السياسية والعقيدة العسكرية للدولة تعيش من أجله وتضحي في سبيل تحقيق أهدافه. 3 -بناء قوة عسكرية كبيرة استطاعت تحقيق انتصارات ضخمة مثل إسقاط الدولة البويهية الباطنية وهزيمة الإمبراطورية البيزنطية. 4 -إنجاز مرحلة التأسيس للمشروع الإسلامي بامتياز وتحقيق نجاحات باهرة قبل تسليم الراية للصف الثاني من أبطال التحرر والجهاد. ومما يبين عظمة شخصية نظام الملك أنه رغم كل هذه الإنجازات وأبهة الملك كان يقول لخاصته: «أتمنى أن يكون لي رغيف كل يوم، ومسجد أعبد الله فيه. وفي العاشر من رمضان 485هـ بعد الإفطار قصده أحد الباطنية متخفيا في صورة مستغيث، فلما دنا منه ضربه بخنجر فقتله فانتقل إلى رحمة الله شهيدا سعيدا بإذن الله. وفيه قال الشاعر: كان الوزيرُ نظام الملك لؤلؤةً يتيمةً صاغها الرحمنُ مِن شرف عزَّت فلم تعرف الأيام قيمتهـا فرّدها غيرة منه إلى الصدف
في ربيع الأول من سنة 41 هـ تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما إلى معاوية بن أبي سفيان عن الخلافة, وعلق المؤرخ ابن كثير على هذه الحادثة قائلاً: «وذلك كمال ثلاثين...
في العام الثامن للهجرة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية في قرابة ثلاثة آلاف فارس إلى البلقاء من أرض الشام لمقاتلة جيش يعد يومئذ أقوى جيوش العالم وأمر عليهم زيد بن حارثة، وقال:...
في يوم من الأيام بحدود 350 قبل الميلاد وقبل غروب الشمس كان فيلسوف الهند الكبير «شاناكيا» -وله أسماء أخرى اشتهر بها مثل «فشنوجوتبا» و «كاوتيليا»- يراقب باهتمام مجموعة من الصبية يلعبون؛ فلفت نظره أن أحد...
كان يُعرف بالفتى المُدَلَّل؛ فكان لا يلبس الثوب الواحد ليومين مُتتاليين، وكان له عِطر يُعرف به بسبب نَشْأته في أحضان أم مُترَفة فعاش في يُسر وسعة. اختار ابن الدار الواسعة السير في طريق الإسلام الشاقة،...
في العقد الأخير من القرن التاسع عشر(1890م) كان هناك شاب في العشرين من عمره يعمل لدى شركة «بوفالو فورج» في «بونالو» بنيويورك، وَعُيِّن في قسم آلات تزويد الغاز في مصنع تابع لشركة «بيتسبرج بلايت جلاس»...
جاءت قريش وشكت النبي إلى أبي طالب فكان جوابه عليه السلام لعمه وهم يسمعون: «يا عم، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية»، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقالوا:...
لقد سرنا سوياً في هذه السلسلة التاريخية والفكرية المسماة «صراع المشاريع» برحلة طويلة من الزمن، حيث بدأنا في الحلقة الأولى من نهاية القرن الهجري الثالث إلى أن وقفنا في الحلقة العاشرة عند القرن الثامن الهجري،...
كان المشروع الصليبي أطولَ المشاريع المعادية للأمة عُمرا وأكثرَها استنزافا لطاقتها وإرهاقا لها، وقد استمر فترة طويلة من الزمن تعاقبت على حربه دولٌ إسلامية كثيرة حتى قدَّر الله سبحانه أن تكون نهاية وجودهم كإمارات وحكام...
تُعتبر مرحلة الأيوبيين ما بعد «صلاح الدين» من أهم مراحل الصراع بين المشروع الإسلامي والمشروع الصليبي الذي أبى أن يَفتُر أو يستسلم؛ بل شنَّ أربع حملات متتاليةً وشرسة. والحقيقة أن «صلاح الدين الأيوبي» بما تميز...
بوفاة الملك الناصر «صلاح الدين الأيوبي» رحمه الله عام589هـ يكون قد مضى على بدء ملحمة صراع المشاريع مرحلة زمنية كبيرة نسبياً تقارب الثلاثة قرون، وذلك إذا قدَّرنا بداية الصراع بظهور أول دولة للمشروع الباطني وهي...
يستمرصراع المشاريع ليتجاوز القرون من الزمن، والأمة من حرب إلى حرب، ومن صراع إلى صراع، تسطر ملحمة حضارية حافلة بالانتصارات والهزائم والأفراح والآلام توجتها البطولات التاريخية التي قادتها إلى نصر حضاري قبل أن يكون عسكريا...
قال المؤرخ ابن الأثير: «طالعتُ سير الملوك المتقدمين فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبدالعزيز أحسن سيرة ولا أكثر تحريا للعدل منه، وهو أول من ابتنى دارا للعدل وكان يجلس فيها أربع مرات أسبوعيا...