alsharq

د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر

عدد المقالات 20

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 11 أكتوبر 2026
الذاكرة في مواجهة العقل النقدي
د. زينب المحمود 12 أكتوبر 2026
شذرات تربوية

التوازن الهش بين الردع والتصعيد.. إعادة التفكير في معضلة الأمن

27 أبريل 2026 , 10:22م

تُعيد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تأكيد الأهمية التفسيرية لمعضلة الأمن في تحليل ديناميات التصعيد. ففي ظل نظام دولي يتسم بالفوضوية البنيوية وغياب سلطة مركزية ضامنة للأمن، تميل الدول إلى تأويل الإجراءات الدفاعية للآخرين عبر عدسة الشك وعدم اليقين. وعلى هذا الأساس، تُقرأ سياسات الردع بوصفها مؤشرات محتملة على نوايا عدوانية، بما يُنتج حلقة تفاعلية من انعدام الثقة المتبادل. وفي هذا السياق، لا يُختزل الصراع في طموحات توسعية مقصودة، بل يتجذر أيضًا في ضغوط بنيوية تدفع الفاعلين إلى الاستجابة للتهديدات المُدرَكة، حتى في ظل غياب اليقين الكامل. وعليه، يتشكل نمط تفاعلي يصبح فيه التصعيد مآلًا غير مقصود، لكنه مستمر، لمساعي الدول إلى تعزيز أمنها ضمن بيئة استراتيجية يسودها عدم اليقين.
على المستوى البنيوي، تتجلى معضلة الأمن من خلال ديناميات الإدراك المتبادل للتهديد، إذ تنظر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى النفوذ الإقليمي لإيران، وقدراتها الصاروخية، وتطلعاتها النووية بوصفها محددات مهدِّدة للاستقرار تستوجب سياسات الاحتواء. في المقابل، تُعيد إيران تأويل الانتشار العسكري، وبُنى التحالفات، وأنماط الردع باعتبارها تهديدات ذات طابع وجودي. ويتعمق هذا الإدراك المتبادل بفعل الهواجس النووية، حيث يُعاد تفسير حتى الإجراءات الدفاعية على أنها مؤشرات لتحولات في ميزان القوى. كما يسهم تآكل مصداقية الإشارات الاستراتيجية في تعقيد محاولات الطمأنة، إذ غالبًا ما تُقابل رسائل ضبط النفس بالرفض أو بسوء الفهم. وعليه، لا يُختزل التصعيد في كونه نتاج نوايا عدائية مباشرة، بل يتأسس على شروط بنيوية تدفع الفاعلين إلى تبني سلوك احترازي يحمل في طياته أبعادًا استفزازية.
عمليًا، يتخذ التصعيد أشكالًا غير مباشرة تتسم بدرجة عالية من الغموض الاستراتيجي. فبدلًا من الانخراط في مواجهات شاملة، تلجأ الأطراف إلى توظيف أدوات مثل الحروب بالوكالة، والضربات المحدودة، والعمليات السرية، إلى جانب إشارات ردعية محسوبة بعناية. وتُمكّن هذه الأدوات الدول من فرض تكاليف على خصومها مع السعي في الوقت ذاته إلى تجنب تجاوز عتبات قد تفضي إلى حرب واسعة النطاق. غير أن هذا النمط من السلوك ينطوي على مفارقة بنيوية، إذ على الرغم من أن الأفعال تُصاغ ضمن حدود مدروسة، فإنها تُبقي مسار التصعيد قائمًا. ويؤدي الغموض الاستراتيجي دورًا محوريًا في هذه الدينامية، حيث تُعمد الدول إلى إخفاء نواياها وقدراتها للحفاظ على هامش من المرونة وتفادي الالتزام بتصعيد صريح. بيد أن هذا الغموض ذاته يفاقم احتمالات سوء التقدير، نظرًا لإمكانية إساءة تفسير الإشارات أو تجاهلها، بما يعزز من هشاشة الاستقرار ويُبقي احتمالات الانزلاق قائمة.
تُسهم الحروب غير المباشرة في تعقيد منطق الردع عبر إعادة تشكيل الحدود الفاصلة بين حالتي الحرب والسلم، إذ يؤدي الاعتماد على الفاعلين بالوكالة والعمليات السرية إلى خلق مسافات فصل تقلص من مستويات الإسناد والمساءلة المباشرة، بما يتيح للدول الانخراط في أنماط من المواجهة دون إعلان تصعيد رسمي. ورغم ما يوفره هذا النمط من تقليص للمخاطر الفورية، فإنه يقوض فعالية آليات الردع التقليدية التي تقوم على وضوح الإسناد ودقة التناسب في الرد. ونتيجة لذلك، يتخذ التصعيد طابعًا أكثر انتشارًا، ويغدو أقل قابلية للضبط، الأمر الذي يعمق من حالة عدم الاستقرار البنيوي الملازمة لمعضلة الأمن.
على الرغم من كثافة هذه الضغوط، يظل التصعيد محكومًا بضوابط تحول دون انفلاته، ويعكس هذا الانضباط تداخلًا بين حسابات الكلفة والعائد والقيود البنيوية التي تفرضها بيئة النظام الدولي، إذ إن الأعباء الاقتصادية والسياسية والعسكرية المترتبة على حرب شاملة تُعد باهظة بالنسبة لجميع الأطراف، بما يكرس حوافز قوية لتجنب الانخراط في مواجهة مباشرة واسعة النطاق. إلى جانب ذلك، تضطلع الأطراف الإقليمية والدولية بدور فاعل في رسم حدود للتصعيد، سواء من خلال القنوات الدبلوماسية، أو جهود الوساطة، أو أشكال الردع غير المباشر. وتسهم هذه المحددات الخارجية في ترسيخ نمط من التصعيد المنضبط، تسعى من خلاله الدول إلى موازنة الحفاظ على مصداقية الردع مع إدارة المخاطر. 
في المحصلة، يكشف الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران عن استمرار صلاحية معضلة الأمن بوصفها إطارًا تحليليًا مركزيًا لفهم أنماط الحروب المعاصرة، وإن في سياقات أكثر تركيبًا وتعقيدًا. فالتصعيد لا يتسم بالعشوائية المطلقة ولا يخضع لنية مقصودة بالكامل، بل يتخذ طابعًا منظّمًا ومُدارًا ضمن حدود محددة، وتتحرك الدول داخل بيئة استراتيجية يُفضي فيها السعي إلى تعظيم الأمن إلى إنتاج ديناميات عدم استقرار، في حين تحول حسابات العقلانية الاستراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وعليه، لم يعد الصراع الحديث يُعرَّف من خلال مآلات حاسمة، بقدر ما يتشكّل كعملية لممارسة ضبط النفس ضمن توازنات دقيقة.

بين الخطاب والقرار تتجلى أولويات الوطن

يمثل خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، أمام مجلس الشورى محطة سياسية ومؤسسية مهمة في مسار صنع القرار في دولة قطر، إذ لا تقتصر أهميته على تحديد الأولويات...

المأزق الإستراتيجي يبدأ حين يصبح الأمن مصدراً للخطر

يجسد المأزق الإستراتيجي إحدى المفارقات الجوهرية في العلاقات بين الدول، إذ قد تقود السياسات التي تتبناها دولة لتعزيز أمنها إلى ردود فعل مضادة تفضي إلى بيئة أكثر توترًا وأقل استقرارًا، ولا تكمن المعضلة في محدودية...

المقاربة القطرية لصناعة الحضور الدولي

في لحظات التحول والاضطراب، تزداد حاجة الدول إلى إعادة تحديد موقعها وأدوارها في نظام دولي تتغير فيه موازين القوة وتتسع فيه دوائر عدم اليقين، وتصبح المحافل الدولية إحدى المساحات التي تعبّر من خلالها عن رؤيتها،...

بين صندوق القتل وطاولة التفاوض

خلف مصطلح صندوق القتل، بصيغته التقنية المتداولة في أدبيات العمليات العسكرية، تبرز مسألة سياسية تتجاوز حدود الإجراء الميداني إلى سؤال أعمق يتعلق بسلطة تعريف المكان وحدود استخدام القوة، من يملك حق رسم نطاق جغرافي يتحول،...

حين تتصارع الأجندات: من يدفع بالأزمة نحو نقطة اللاعودة

بين تراجع الاستقرار واحتمال المواجهة، تتشكل مرحلة هي الأكثر حساسية في مسار الأزمات الدولية، لحظة تتصاعد فيها حدة التوتر، وتترقب العواصم التحركات، فيما يظل قرار المواجهة مؤجلًا. تمثل هذه المساحة الفاصلة المرحلة الواقعة بين الاستقرار...

التفاوض بلا طاولة: دبلوماسية الصمت في إدارة الأزمات

ليست كل المفاوضات بحاجة إلى طاولة تجمع أطرافها، كما أن غياب الإعلان الرسمي عنها لا يعني بالضرورة توقف قنوات التفاهم والتفاوض، ففي بعض الأزمات، قد تصل الدول إلى مرحلة تصبح فيها حاجتها إلى الحوار أكبر...

الردع المفقود: مأزق القوة في مواجهة الوكلاء

يقوم الردع، في مفهومه الكلاسيكي، على ثلاثة افتراضات رئيسية: وضوح هوية الفاعل، وإمكانية إسناد المسؤولية عن الفعل العدائي إليه، وقدرة التهديد بالعقاب من خلال الوصول إلى الطرف الذي يمتلك سلطة اتخاذ القرار، ولكن حروب الوكالة...

الانتصار الذي لا يصنع نصراً.. فخ النجاح التكتيكي

نادراً ما تبدأ الهزيمة في هيئة هزيمة، فقد ترتدي أحياناً ملامح الانتصار، فالنجاح في لحظة المواجهة لا يكشف بالضرورة عن المسار الذي ستقود إليه نتائجه. فالدولة قد تدمر هدفاً، أو تفرض حصاراً، أو تستنزف خصمها،...

الحرب التي لا يريدها أحد: مفارقة الحسابات الخاطئة

تبدو الأزمة الأمريكية– الإيرانية للوهلة الأولى وكأنها مفارقة يصعب تفسيرها: كيف يستمر التصعيد بين طرفين يدركان كلفة الحرب، ولا يبدو أن أياً منهما يسعى إلى مواجهة شاملة؟ لا تكمن الإجابة بالضرورة في غياب العقلانية، بل...

الوساطة الشبكية وإدارة الأزمات: لماذا لم يعد نموذج الوسيط الواحد كافياً؟

الصراع لا يبقى أسير لحظة اندلاعه، بل يعيد تشكيل نفسه مع كل مرحلة جديدة من التصعيد، فيضيف أطرافًا وملفاتٍ وحساباتٍ لم تكن جزءًا من بدايته، ومع كل مستوى جديد من التصعيد الرأسي الذي يرفع حدة...

عندما تصبح القوة غير قابلة للاستخدام

تقوم إحدى المفارقات في العلاقات الدولية على أن القوة تبلغ أحيانًا ذروة تأثيرها عندما لا تستخدم، فالدول تسعى باستمرار إلى تعظيم قدراتها العسكرية، والاقتصادية، والتكنولوجية، اعتقادًا بأن امتلاكها يمنحها حرية أوسع في التأثير وصناعة القرار....

التوقيع ليس النهاية: اختبار الالتزام والامتثال في الاتفاق الأمريكي - الإيراني

لا يتمثل التحدي الحقيقي لأي اتفاق أمريكي–إيراني في مجرد الجلوس إلى طاولة المفاوضات أو التوصل إلى تفاهم دبلوماسي يرضي الطرفين، بل في القدرة على تحويل ما يدون في نصوص الاتفاق إلى سلوك سياسي فعلي، فغالبًا...