

في الحروب الكبرى، لا تُمتحن الجيوش والمنظومات الدفاعية وحدها، بل يُمتحن معها الضمير الجمعي والعقل النقدي لدى النخب الفكرية. فالصواريخ والمسيّرات التي سقطت على مدن عربية وخليجية لم تستهدف البنية التحتية المادية فحسب، بل اخترقت في العمق صورة المثقف العربي ودوره التاريخي بوصفه حامل مشعل التنوير والموقف الأخلاقي. وبينما كانت العواصم العربية تواجه خطراً أمنياً وجودياً مباشراً، كان ثمة سؤال آخر يتبلور في صمت مُقلق: أين المثقف العربي من كل هذا؟ ولماذا بدا صوته غائباً أو مرتبكاً أو انتقائياً في لحظة أخلاقية لا تحتمل الغموض؟
في ظل الإشكالية المركّبة التي يعيشها المثقف العربي، برزت الحاجة الملحّة إلى طرحها بجرأة على طاولة التحليل والتفكيك. وقد أتاحت الندوة الافتراضية التي نظمها مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، فرصة نوعية للخوض في هذه القضية بعمق، بمشاركة نخبة من المفكرين والقامات العربية التي تناولت أبعادها المختلفة بإسهاب ورؤية نقدية متقدمة.
أزمة الوعي لا أزمة السياسة
لا يتمحور الإشكال الجوهري حول أسباب اندلاع الحرب حصراً، بل يتعلق بعجز الوعي الثقافي العربي عن إنتاج قراءة أخلاقية ومعرفية متماسكة تجاه ما يجري. لماذا تردّد المثقف العربي في تسمية العنف باسمه الصريح حين استهدف مدناً عربية؟ ولماذا تحوّل الصمت، والالتفاف اللغوي، والتبرير الضمني إلى استجابة شبه جماعية لدى قطاعات واسعة من النخبة الفكرية العربية؟ إن ما نشهده ليس مجرد اختلاف في الموقف السياسي أو تباين في التقدير الاستراتيجي، بل هو انكشاف لأزمة بنيوية أعمق تتصل بتعريف دور المثقف ذاته، وبالبوصلة الأخلاقية التي يُفترض أنها تحكم مواقفه وتوجّه خطابه.
تتجلى المفارقة بأوضح صورها حين نستحضر عقوداً من الخطاب الثقافي العربي المناهض للحروب والتدخلات العسكرية حول العالم. فالمثقفون الذين لم يتوانوا يوماً عن إدانة الاجتياحات الأمريكية، والعدوان الإسرائيلي، والتدخلات الغربية في الشؤون العربية، وجدوا أنفسهم عاجزين عن اتخاذ موقف مماثل حين تعرّضت دول عربية لهجمات صاروخية ومسيّرات إيرانية استهدفت مدناً ومطارات ومنشآت مدنية. هذا الصمت الانتقائي لا يمكن تفسيره باختلاف الرأي السياسي المشروع، بل يكشف عن خلل عميق في منظومة القيم التي يتبناها هؤلاء المثقفون، ويطرح سؤالاً جذرياً: هل المشكلة لا تزال في السياسة، أم أنها انتقلت إلى صميم البوصلة الأخلاقية ذاتها؟
الجذور الأيديولوجية للعجز النقدي
لفهم هذا العجز البنيوي لا يمكن الاكتفاء بتفسيره كقصورٍ ظرفي في الأداء السياسي أو ارتباكٍ في إدارة التحولات، بل ينبغي النظر إليه بوصفه نتيجة مباشرة لتكوّن الوعي السياسي العربي داخل بنية أيديولوجية صلبة أنتجت معرفةً منحازة أكثر مما أنتجت فهماً نقدياً للواقع. فقد تشكّل هذا الوعي في لحظة تاريخية لم تكن فيها الأيديولوجيات مجرد أدوات تفسير، بل أنساق مغلقة لإنتاج المعنى وإقصاء البدائل؛ إذ اختزلت القومية العربية الهوية في سردية تحرر كلي سرعان ما كشفت محدوديتها أمام تعقيد الدولة والمجتمع، فيما أعادت اليسارية صياغة الصراع عبر مركزية الطبقة والاقتصاد لكنها وقعت في تبسيط مفرط للبنى الاجتماعية والسياسية، بينما أسهمت الأيديولوجيات الدينية والمذهبية في إعادة تعريف الشرعية على أسس هوياتية ضيقة عمّقت الانقسام بدل تجاوزه، في حين تحوّل خطاب مناهضة الإمبريالية تدريجياً من إطار تحليلي إلى سردية تفسيرية شاملة أغلقت المجال أمام النقد الذاتي وأعادت إنتاج الواقع عبر ثنائيات حادة تختزل التعقيد في صراع أحادي، وهو ما جعل البنية الفكرية العربية تميل إلى إعادة إنتاج أزماتها بدلاً من تفكيكها.
انهيار المعايير النقدية
في إطار هذه الرؤية المغلقة، جرى إنتاج منطق تبريري تبسيطي أفضى إلى التعامل مع أفعال قوى إقليمية غير عربية بوصفها بالضرورة امتداداً لمفهوم “المواجهة” مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو الغرب عموماً، دون إخضاع هذه الفواعل لأي تفكيك نقدي لطبيعة مشاريعها السياسية أو حساباتها الاستراتيجية أو نزعاتها التوسعية أو حتى أنماط تدخلها المباشر في سيادة الدول العربية. وقد أدى هذا الاختزال إلى تعطيل القدرة على إدراك التعقيد البنيوي للنظام الدولي المعاصر، وإلى إضعاف أدوات قراءة التحولات داخل الدولة الوطنية العربية ذاتها، فضلاً عن طمس الحدود الفاصلة بين خطاب المقاومة بوصفه إطاراً تحليلياً مشروعاً، وبين ممارسات الهيمنة الإقليمية التي قد تتخفى خلفه. وهكذا، فإن المثقف الذي فقد القدرة على التمييز بين مقاومة الاحتلال وبين انتهاك سيادة الدول المستقلة لم يعد فقط أسير سردية جاهزة، بل بات يفتقر إلى الحد الأدنى من الأدوات التحليلية التي تسمح له بفهم الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يُروى.
سؤال الثقافة والمستقبل
إن الحروب، في بعدها الأعمق، لا تُعيد فقط تشكيل الخرائط الجيوسياسية بوصفها حدوداً مرئية للسيادة والنفوذ، بل تقوم أيضاً بعملية أكثر خفاءً وعمقاً تتمثل في كشف البنية الكامنة للوعي ذاته، أي تلك الشبكة من التصورات المسبقة التي تحدد كيف يُرى العالم قبل أن يُفهم. فليست الأزمة في التحولات التي تفرضها الوقائع وحدها، بل في تلك المسافة الفاصلة بين الواقع والوعي به، حيث يظل هذا الوعي أسيراً لمقولات أيديولوجية تشكّلت تاريخياً ثم تحولت إلى يقينيات مغلقة، فقدت قدرتها على مساءلة ذاتها أو إعادة تعريف أدواتها في الفهم. ومن ثمّ، فإن ما تكشفه الحرب ليس مجرد اختلال في ميزان القوى، بل اختلال أعمق في شروط المعرفة ذاتها، وفي قدرة الفكر على مواكبة تعقيد العالم دون أن يختزله في ثنائيات جاهزة أو سرديات مكتملة مسبقاً.
ومن هذا المنظور، يصبح السؤال المطروح ليس سؤالاً سياسياً مباشراً بقدر ما هو سؤال أنطولوجي وأخلاقي في آن: كيف يمكن للوعي العربي أن يتحرر من إرثه التفسيري الذي حوّل العالم إلى خرائط ثابتة، وأن يعيد تأسيس علاقته بالواقع على أساس الانفتاح لا الإغلاق، وعلى أساس النقد لا التلقين؟ وكيف يمكن للمثقف أن يستعيد موقعه كذات تفكر في العالم لا كمرآة تعكس اصطفافاته، بحيث لا يخضع لثقل المحاور ولا لسلطة السرديات الكبرى التي صادرت قدرته على الحكم الأخلاقي المستقل؟ إن هذه الأسئلة، في جوهرها، لا تتعلق بترف فكري أو تأمل تجريدي، بل تمس إمكانية إنتاج وعي جديد قادر على استيعاب العالم بوصفه سيرورة مفتوحة، لا بنية مكتملة، وعلى التعامل مع التاريخ بوصفه احتمالاً دائماً لا نصاً مغلقاً.
منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...
ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...
عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...
العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...
ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...
جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...
لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...
هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...
بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...
ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...
حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...
ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...