


عدد المقالات 58
رأى عميد الكلية الحربية (بديفونشير) «دوق وندسور» والذي أصبح الملك إدوارد الثامن ملك بريطانيا العظمى ودول الكومنولث والهند لاحقا، عقب التحاقه بها وهو في الرابعة عشرة من عمره يوما يبكي، فلما سأله عن سر بكائه علم منه بعد إلحاح أن ثلاثة من زملائه في الكلية قابلوه متفرقين منذ قليل وركله كل واحد منهم لغير ما سبب. فدعا العميد أولئك الطلبة المعتدين وما زال بهم حتى صارحوه بسر اعتدائهم على الأمير، واتضح أنه لا مبرر لهم، وكل ما في الأمر أنهم اتفقوا فيما بينهم على ذلك لكي يستطيعوا القول فيما بعد حين يصبح الأمير ملكا وإمبراطورا: «إنهم ركلوه بأقدامهم». والواقع أن أكثر من يتعمدون النقد والإيذاء لغير ما سبب ظاهر إنما يفعلون ذلك مدفوعين بشعور باطني أن هذا الفعل يرفع من شأنهم؛ لاعتقادهم أن المعتدى عليه إنسان ناجح استطاع لفت الأنظار إليه وكسب إعجاب الناس به، مما يثير الغيرة والحسد في نفوس البعض فينفس عن هذه المشاعر السلبية بالاعتداء والتشويه. يقول الفيلسوف الألماني «شوبنهاور»: «إن الرجل الخسيس يجد المتعة في تلفيق الأخطاء وافتراء الأكاذيب لينال بها من العظماء وذوي الخلق العظيم». والحقيقة أن هذا السلوك المشين للأسف ليس وقفا على أصحاب الطباع المتدنية من الناس، فهناك الكثيرون ممن يجدون لذة ومتعة كبيرة عند قيامهم بسب وتشويه صورة من يفوقونهم في العلم أو المال أو المركز غيرة وحسدا، وإن زعموا أن هدفهم توضيح الحقيقة أو ولاء لوطن أو حمية لأشخاص، فما زعمهم هذا إلا قناع زائف يخفون به رغبات النفس الأمارة بالسوء بالحط من أقدار أناس يفوقونهم بالفضل. فهذا مدير سابق بجامعة يير الشهيرة يجد لذة في تشويه سمعة رجل فاضل اشتهر بانتصاره للديمقراطية والأخلاق الفاضلة طيلة حياته هو «توماس جفرسون» الرئيس الأميركي السابق وأحد المفكرين والسياسيين والآباء المؤسسين؛ فحينما كان «جفرسون» مرشحا للرياسة لم يتورع مدير الجامعة المذكور على أن يقول فيه: «إذا قدر لهذا الرجل أن يكون رئيسا لبلادنا فسنرى في عهده زوجاتنا وبناتنا يمارسن الدعارة علنا، وستنهار أركان الفضائل ويعم الإلحاد». ومن كان يتصور أن «جورج واشنطن» الشخصية العظيمة في التاريخ الأميركي وبعد كل ما قدمه لأمته يقال عنه: إنه مجرم محتال ويصل الأمر بحساده والحاقدين عليه إلى أن يصوروه في إحدى صحفهم في صورة مجرم محكوم عليه بالإعدام ويكتبوا تحت الصورة: «هكذا ينبغي أن يكون مصيره». وفي تاريخنا الإسلامي تبرز قصة الإمام البخاري إمام الصنعة الحديثية وصاحب أصح كتاب في الحديث من دون منازع، حينما بلغ نجاحه القمة وصار ذائع الصيت دفع ثمنا باهظا لنجاحه. فحين استقر البخاري في نيسابور وباتت مجالسه حديث الناس أجاب مرة عن سؤال في مسألة تتعلق بالتلفظ بالقرآن، وهل هو مخلوق أم لا؟ وكان جوابه صوابا بلا شك، كما قال الذهبي وغيره، ولكن اهتبل هذا الجواب شيخ خراسان محمد بن يحيى الذهلي، والذي عمل في نفسه نجاح البخاري ما عمل، فقام في مجلس مزدحم بالناس وغاص بعمائم العلماء وقال: لقد أظهر هذا البخاري قول اللفظية، واللفظية عندي شر من الجهمية فمن يكن يجالسه فلا يقعد معنا. ونظرا لمكانة الذهلي وهيبته بين الناس لم يقم من المجلس سوى رجلين؛ مسلم بن الحجاج تلميذ البخاري وصاحب الصحيح وأحمد بن سلمة الذي دخل على البخاري وقال له: يا أبا عبدالله، هذا رجل مقبول بخراسان خصوصا في هذه المدينة، وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه، فما ترى؟ فقبض البخاري على لحيته وقرأ قوله تعالى: «وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ» (غافر: 44)، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرا ولا بطرا، ولا طلبا للرئاسة، وإنما أبت علي نفسي الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدا لما آتاني الله لا غير. فرماه الذهلي بالبدعة وحث الناس على هجره وأرسل الرسائل إلى شتى الأمصار تحذر منه، حتى سمع المرافق الإمام البخاري في ليلة من الليالي يدعو فيقول: «اللهم إنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك»، وما هي إلا أيام حتى مات الإمام البخاري على هذا النحو طريدا شريدا؛ وهو الذي ألف للأمة كتابا في السنة والحديث ليس في دنيا المسلمين حتى اليوم كتاب أنفع منه. وأخيرا إن كان يقلقك ويؤذيك أن يكثر الناس من نقدك والحط من شأنك (بالباطل) فاعلم أن كل هذا النقد والأذى في حقيقته ما هو إلا تهنئة متنكرة على نجاحك وتميزك وتذكر قول الشاعر: وكم على الأرض من خضر ويابسة ولا يرجم إلا من به الثمر
في ربيع الأول من سنة 41 هـ تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما إلى معاوية بن أبي سفيان عن الخلافة, وعلق المؤرخ ابن كثير على هذه الحادثة قائلاً: «وذلك كمال ثلاثين...
في العام الثامن للهجرة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية في قرابة ثلاثة آلاف فارس إلى البلقاء من أرض الشام لمقاتلة جيش يعد يومئذ أقوى جيوش العالم وأمر عليهم زيد بن حارثة، وقال:...
في يوم من الأيام بحدود 350 قبل الميلاد وقبل غروب الشمس كان فيلسوف الهند الكبير «شاناكيا» -وله أسماء أخرى اشتهر بها مثل «فشنوجوتبا» و «كاوتيليا»- يراقب باهتمام مجموعة من الصبية يلعبون؛ فلفت نظره أن أحد...
كان يُعرف بالفتى المُدَلَّل؛ فكان لا يلبس الثوب الواحد ليومين مُتتاليين، وكان له عِطر يُعرف به بسبب نَشْأته في أحضان أم مُترَفة فعاش في يُسر وسعة. اختار ابن الدار الواسعة السير في طريق الإسلام الشاقة،...
في العقد الأخير من القرن التاسع عشر(1890م) كان هناك شاب في العشرين من عمره يعمل لدى شركة «بوفالو فورج» في «بونالو» بنيويورك، وَعُيِّن في قسم آلات تزويد الغاز في مصنع تابع لشركة «بيتسبرج بلايت جلاس»...
جاءت قريش وشكت النبي إلى أبي طالب فكان جوابه عليه السلام لعمه وهم يسمعون: «يا عم، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية»، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقالوا:...
لقد سرنا سوياً في هذه السلسلة التاريخية والفكرية المسماة «صراع المشاريع» برحلة طويلة من الزمن، حيث بدأنا في الحلقة الأولى من نهاية القرن الهجري الثالث إلى أن وقفنا في الحلقة العاشرة عند القرن الثامن الهجري،...
كان المشروع الصليبي أطولَ المشاريع المعادية للأمة عُمرا وأكثرَها استنزافا لطاقتها وإرهاقا لها، وقد استمر فترة طويلة من الزمن تعاقبت على حربه دولٌ إسلامية كثيرة حتى قدَّر الله سبحانه أن تكون نهاية وجودهم كإمارات وحكام...
تُعتبر مرحلة الأيوبيين ما بعد «صلاح الدين» من أهم مراحل الصراع بين المشروع الإسلامي والمشروع الصليبي الذي أبى أن يَفتُر أو يستسلم؛ بل شنَّ أربع حملات متتاليةً وشرسة. والحقيقة أن «صلاح الدين الأيوبي» بما تميز...
بوفاة الملك الناصر «صلاح الدين الأيوبي» رحمه الله عام589هـ يكون قد مضى على بدء ملحمة صراع المشاريع مرحلة زمنية كبيرة نسبياً تقارب الثلاثة قرون، وذلك إذا قدَّرنا بداية الصراع بظهور أول دولة للمشروع الباطني وهي...
يستمرصراع المشاريع ليتجاوز القرون من الزمن، والأمة من حرب إلى حرب، ومن صراع إلى صراع، تسطر ملحمة حضارية حافلة بالانتصارات والهزائم والأفراح والآلام توجتها البطولات التاريخية التي قادتها إلى نصر حضاري قبل أن يكون عسكريا...
قال المؤرخ ابن الأثير: «طالعتُ سير الملوك المتقدمين فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبدالعزيز أحسن سيرة ولا أكثر تحريا للعدل منه، وهو أول من ابتنى دارا للعدل وكان يجلس فيها أربع مرات أسبوعيا...