


عدد المقالات 322
للخريف ألوانه المعتادة من الكريمي بنكهة «لاتيه اليقطين» إلى البني الكستنائي المستوحى من أوراق الشجر المتساقطة، اعتدنا موسمًا بسيطًا ومحايدًا وهادئًا. لكن خريف 2026 قرّر أن يغيّر لوحته، فتربّع الأحمر على العرش، وحضر الأرجواني الملكي بقوة. ودخلنا موسم «التعبير عن الذات» كما يصفه خبراء الألوان كما في صناديق الاقتراع.
فمن موسكو إلى ستوكهولم، ومن واشنطن إلى تل أبيب، ومن ريغا إلى برازيليا، تتجه ملايين الأصوات إلى صناديق الاقتراع، وكأن العالم قرّر أن يجعل من هذا الخريف موسمًا عالميًا لاختيار ألوان الحكومات والبرلمانات.
قد تتشابه هذه الصناديق في أشكالها، لكنها تختلف جذريًا في وظائفها السياسية. في روسيا، تجرى الانتخابات البرلمانية في 20 سبتمبر وسط العملية العسكرية الخاصة التي تديرها موسكو في أوكرانيا منذ عام 2022. وهناك، يصعب فصل صندوق الاقتراع عن الحرب. فالتصويت لن يكون حول تشكيل مجلس الدوما فحسب، بل سيُمثّل اختبارًا لقدرة «بوتين» على تجديد شرعيته السياسية رغم الاستنزاف والضغوط الخارجية.
في المقابل، تقدّم أوكرانيا حالة معاكسة، مع رفض زيلينسكي دعوات إجراء الانتخابات رغم انتهاء ولايته منذ مايو 2024، معتبرًا أنها ستدفع المجتمع إلى مزيد من الانقسام في لحظة تحتاج فيها الدولة إلى أكبر قدر من الوحدة. وفي هذا النموذج، تظهر الحرب دافعاً لاستخدام الصندوق في بلد، أو سبباً للابتعاد عنه في آخر.
من جهتها، قدّمت كازاخستان نموذجًا ثالثًا للانتخابات بعد فوز الحزب الحاكم فوزًا مريحًا لُتحقق توازن دقيق بين السلطات التنفيذية والتشريعية دون أن تمسّ بمراكز النفوذ، ويبقى نظامها الفائز حليفًا لروسيا وأوروبا في الوقت نفسه. في الدول المجاورة التي تدور في هذا الفلك، تأتي الاستحقاقات الانتخابية في لاتفيا والبوسنة والهرسك وبلغاريا وسط بيئة أمنية تختبر علاقة الناخب مع روسيا، ونظرته لقضايا الأمن والدفاع والطاقة. المعادلة في السويد مختلفة، فالانتخابات البرلمانية التي ستشهدها البلاد في 13 سبتمبر ستُحدّد اتجاهات المجتمع السويدي المتنوع ثقافياً تجاه قضايا الهجرة ومستقبل دولة الرفاه.
في أمريكا، تحمل انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر معنى مختلفًا. فالانتخابات ستمنح العالم مؤشراً على كيفية إعادة توزيع القوة داخل الكونغرس، وتأثيرها على سياسات البيت الأبيض الخارجية. ومع 4 أكتوبر، تدخل البرازيل مرحلة انتخابات عامة حساسة في ظلّ الضغوط الخارجية والقضايا المعيشية، وهنا سيكون الصندوق اختبارًا لترتيب الأولويات الوطنية وتأثير القوى الحزبية.
أما الانتخابات التشريعية الإسرائيلية الموعودة في 27 أكتوبر فلها أهمية خاصة لأنها ستكشف «نموذج الديمقراطية» الإسرائيلية في محاسبة الحكومة الحالية، أو منحها تفويضًا جديدًا لتدمير الذات. تليها الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في الأسبوع الثاني من نوفمبر، بعد انقطاع دام سنوات، في محاولة لاستعادة ورقة التوت الشرعية، واختبارٍ صعب للوحدة الداخلية.
يبدو خريف 2026 مثيرًا للاهتمام؛ فقد تكون هذه النماذج الانتخابية مؤشرًا على استدامة العملية الديمقراطية، رغم نزعات التشدد التي يُنذر بها النظام العالمي الجديد الآخذ في التشكّل. قد نشهد ازدحامًا في المواعيد الانتخابية، وقد يكون التصويت حرًا، وتُجرى الانتخابات في مواعيدها، وترتفع نسب المشاركة السياسية، وتنجح الدول في التعامل مع تحديات التصويت الإلكتروني والهويات الرقمية والحملات السياسية المضللة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
لكن الاختبار الحقيقي اليوم يتعلّق بمعنى النموذج التقليدي للانتخابات، ومدى فاعلية المعادلة الكلاسيكية التي تحكم هذه العملية: ناخب، صندوق، ثم حكومة جديدة، أو برلمان جديد، أو رئيس جديد.
فالسلطة اليوم لم تعد محصورة في ثلاثة مستويات: رئاسية وتنفيذية وتشريعية، بل أصبحت موزّعة بين الحكومات والبرلمانات والمحاكم والبنوك المركزية والمؤسسات المالية والأمنية والأسواق والتحالفات الدولية وشركات التكنولوجيا، فضلًا عن فاعلين آخرين يتجاوز نفوذهم هذه المستويات. وقد يستطيع الناخب تغيير الحكومة، لكنه قد يكتشف في اليوم التالي أن جزءًا كبيرًا من المنظومة الاقتصادية والأمنية والدولية التي حكمت العهود السابقة ما زال قائمًا.
في الوقت الذي يناقش فيه العالم جدوى الانتخابات بمفهومها التقليدي، وتُعدّل القوانين الانتخابية من الفلبين إلى إستونيا لمواكبة التحولات الرقمية، لا يزال جزء من منطقتنا منشغلًا بالسؤال الأساسي: هل ستُجرى الانتخابات أصلًا؟ ومتى؟ ربما «سبقنا عصرنا» في العالم العربي في اكتشاف حدود الصندوق.
فيما يبحث العالم عن دور مغاير للناخب، وماهية الصندوق الرقمي في نظام عالمي جديد، لا يزال هناك من هو مطالب في دولنا بإصدار «شهادة بأنه على قيد الحياة» وهي وثيقة رسمية تثبت أن الشخص حيّ يُرزق في تاريخ صدورها، ومن يُحاول إثبات حقه في وثيقة ميلاد. ومع ذلك قد يصل إلى صندوقه الأخير، قبل أن يصل أصلًا إلى صندوق الاقتراع الموعود.
@snasser24
من الغريب أن يعيش الإنسان اليوم في عصر التقدّم العلمي والذكاء الاصطناعي، والطبّ الدقيق، والثورة الرقمية، ثم يجد نفسه أمام ظواهر اجتماعية يُفترض أنها قد انتهت منذ زمن، مثل: التنجيم، وقراءة الطالع، والتعاويذ، والطلاسم. ففي...
عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سعادته البالغة بتوقيع اتفاقية مكة، معتبرًا أنها «تُظهر كيف ستتمكن الدول أخيرًا من الدفاع عن نفسها بفعالية أكبر». وفي هذا التصريح مدخل مهم لفهم ملامح النظام الإقليمي الناشئ، الذي...
ترتفع اليوم على الحدود التركية – الإيرانية ألواح الفولاذ والأسلاك الشائكة والأبراج، في جدران خرسانية طولها 380 كيلومترًا وخنادق مسافتها 553 كيلومترًا تفصل بين جهتين من الأرض، في مشهد أمني تقليدي: دولة تحصّن حدودها، وتراقب...
المكان: مقهى «الويمبي» في شارع الحمرا، بيروت. الزمان: 24 سبتمبر (أيلول) 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. الحدث: رفض صاحب المقهى تقاضي ثمن المشروبات من جنود الاحتلال الإسرائيلي بالشيكل، وأصرّ على الليرة اللبنانية. الفعل: تدخّل المواطن...
أمطار يوليو تُفاجئ شوارع بيروت، والفيضانات تجتاح أنقرة، والنيران تلتهم غابات فرنسا وإسبانيا. ما نشهده اليوم ليس مُجرّد ظواهر مناخية متفرقة، بل مؤشرات على عالمٍ تتغير فيه قواعد الطبيعة، وتتبدّل فيه موازين الاقتصاد والتكنولوجيا، وقد...
كان يكفي، قبل عقود، أن تُعلِن إحدى الجامعات العربية عن ندوة سياسية حتى تمتلئ القاعات، وأن يصدر بيان طلابي حتى تلتقفهُ الصحف، وأن تُعلَن نتيجة انتخابات اتحادات الطلبة حتى تقرأه الحكومات بوصفها مؤشرًا على اتجاهات...
ليس كلّ من يدخل تاريخ لبنان يخرج منه مكرّمًا. فقد شكّل لبنان على مرّ التاريخ اختبارًا عسيرًا للقادة والدول والجيوش، ومقياسًا لقدرتهم على صنع السلام. ولعلّ أصعب ما في هذا البلد، أنه وطنٌ يختلف أبناؤه...
على مدى خمسة وعشرين عامًا، عاش العالم الإسلامي، وتحديدًا الخليج العربي، في ظلّ ما يمكن تسميته بحقبة 11 سبتمبر، حيث ارتبط حضوره في النظام الدولي بسؤال الإرهاب، وبسعيٍ دائم إلى تحسين صورته أمام الغرب، ووجد...
القضية في لبنان ليست قضية سلاح حزب الله فحسب، فالسلاح ليس إلا جزءًا من أزمة أوسع تحاول الأغلبية تجاوزها؛ إنها أزمة دولة عاجزة عن إقناع مواطنيها بأنها المرجع الأول للاستقرار والطمأنينة، وأن اللبناني لابُد وأن...
تخيّل أن العالم بأسره قد حُشر على متن طائرة عملاقة، أقلعت ولا تملك إحداثيات للهبوط. قائدها مجهول، يتواصل مع الركّاب عبر طاقم يعمل من خلف الستار، ويستعين بطيار آلي لا أحد يعلم مدى أهليته أو...
جلسة لمدّة ساعة ونصف بـ5951 ريالًا قطريًا، أي نحو 1630 دولارًا أمريكيًا. تلك هي تكلفة الجلسة الاستشارية مع أحد مستشاري العلاقات والسلوك الإنساني وجذور الصدمات المشهورين في عالمنا العربي، أو ما يُعرف اليوم بـ «مدرب...
مضادات تعترض صواريخ، واتصالات تتوالى لاحتواء التصعيد، وتهديدات واعتداءات، وأنظمة تبحث عن النجاة، وشرق أوسط جديد يتشكل، ومنعطفات تاريخية تضع سلوك الدول تحت المجهر.وسط هذه التوترات، برزت قطر مجدداً في سياسة خارجية متعددة الاتجاهات؛ لتكرس...