


عدد المقالات 321
على مدى خمسة وعشرين عامًا، عاش العالم الإسلامي، وتحديدًا الخليج العربي، في ظلّ ما يمكن تسميته بحقبة 11 سبتمبر، حيث ارتبط حضوره في النظام الدولي بسؤال الإرهاب، وبسعيٍ دائم إلى تحسين صورته أمام الغرب، ووجد نفسه مطالبًا، على مدى ربع قرن، بإثبات براءته باستمرار في كثير من مواقفه السياسية والثقافية، وحتى الرياضية.
وإذا كانت تداعيات هجمات الحادي عشر من سبتمبر قد دفعت دول الخليج إلى تبنّي سياسة «تبرئة الذات»، فإن الحرب الإيرانية قد تُشكّل فرصة تاريخية للتخلص من هذه العقدة. فهي تمثل لحظة دقيقة ومفصلية، تُعيد ترتيب أولويات النظام الدولي، وتدفع بقضايا جديدة إلى الواجهة. إذ تحوّل مركز الاهتمام في الغرب من السؤال الدائم: هل يدعم الخليج حقًا الإرهاب؟ إلى أسئلة تدور حول أمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، والردع الصاروخي، وسلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي، والمرونة الاقتصادية، وإعادة تشكيل التحالفات الدولية.
وبذلك، خرج الخليج، من دون أن يشعر، من الملعب الذي صممه الآخرون له طوال خمسة وعشرين عامًا، وانتقل من إشكالية: كيف نحسّن صورتنا في الغرب؟ إلى سؤال: كيف يمكن للعالم أن يعمل من دوننا؟
صحيح أن دبلوماسية «تبرئة الذات» لم تكن خيارًا نابعًا من قناعة راسخة، بل كانت نتيجة تراكمات تاريخية بدأت في الحقبة الاستعمارية، وتداعيات الثورة الإيرانية، ثم هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وصولًا إلى تنظيم داعش، والميليشيات المسلحة، وأزمة اللاجئين، وتصاعد الشعبوية اليمينية في الغرب.
وفي مواجهة هذه السردية، اضطرت الحكومات، والمؤسسات الدينية، ومراكز الحوار، والجامعات، ووسائل الإعلام، آنذاك، إلى استثمار الموارد لتأكيد أن الخليج يرفض الإرهاب، وأن المجتمعات الخليجية تتوافق مع قيم التعايش والانفتاح.
ورغم أهمية هذه الجهود، ودورها في الحد من «الصورة المسيئة» التي سعى الغرب إلى تكريسها عن المنطقة، فإنها أسهمت، من حيث لا تقصد، في إبقاء دول الخليج داخل إطار أيديولوجي ضيق، أبقاها في موقع الدفاع وتبرير الذات على مدى ربع قرن. ونتيجة لذلك، مالت الدبلوماسية الخليجية، في كثير من المحافل، إلى الانشغال بإدارة الانطباعات أكثر من تركيزها على صياغة المصالح.
لكن المشهد تغيّر اليوم. فللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، برزت دول الخليج في النقاش العالمي بوصفها مركزًا إستراتيجيًا حيويًا يتوقف عليه استقرار الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، واستمرارية سلاسل الإمداد، ومستقبل الردع الإقليمي.
ويزداد هذا التحول وضوحًا مع تصاعد الحديث في الأوساط التحليلية عن «ناتو خليجي»، وعن تطوير شراكات أمنية إقليمية تضم تركيا، ومصر، وباكستان، وربما العراق. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الترتيبات لا تكمن في بعدها العسكري فحسب، بل إنها تُجسد انتقالًا تدريجيًا من سياسة خارجية انشغلت طويلًا بإدارة الصورة، إلى دبلوماسية تسعى فعليًا إلى بناء تكتل إستراتيجي إقليمي يربط بين الأمن، والاقتصاد، والطاقة، والبحث، والإعلام، والأمن السيبراني، والمرونة المجتمعية، والدبلوماسية متعددة الأطراف.
لقد طوت الحرب الإيرانية صفحةً امتدت منذ أحداث 11 سبتمبر، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة يتجاوز فيها الخليج عبء تلك الحقبة. ولعلها المرة الأولى منذ عقود التي تتاح فيها لدول الخليج فرصة حقيقية للانتقال من موقع الدفاع عن الذات إلى موقع الشريك في صياغة قواعد النظامين الإقليمي والدولي.
لقد انتهى الزمن الذي كان يُقاس فيه حضور الخليج بقدرته على تحسين صورته في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر. فالتحولات التي تشهدها المنطقة اليوم تفتح فرصة تاريخية للانتقال إلى مرحلة جديدة، يكون فيها الخليج شريكًا في صناعة الدفاع عن نفسه، وشريكًا في التوازنات، لا مجرد متأثر بها.
السؤال الذي ينبغي أن يوجّه المرحلة المقبلة هو: كيف نحوّل مكانتنا الجيوسياسية والاقتصادية إلى نفوذٍ إستراتيجي فاعل؟ فقد آن الأوان لتجاوز حقبةٍ ثقيلة قيّدت سياساتنا لعقود، وكان عنوانها الدائم: كيف نُحسّن صورتنا؟ لا كيف نصنع نفوذنا؟
@snasser24
للخريف ألوانه المعتادة من الكريمي بنكهة «لاتيه اليقطين» إلى البني الكستنائي المستوحى من أوراق الشجر المتساقطة، اعتدنا موسمًا بسيطًا ومحايدًا وهادئًا. لكن خريف 2026 قرّر أن يغيّر لوحته، فتربّع الأحمر على العرش، وحضر الأرجواني الملكي...
عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سعادته البالغة بتوقيع اتفاقية مكة، معتبرًا أنها «تُظهر كيف ستتمكن الدول أخيرًا من الدفاع عن نفسها بفعالية أكبر». وفي هذا التصريح مدخل مهم لفهم ملامح النظام الإقليمي الناشئ، الذي...
ترتفع اليوم على الحدود التركية – الإيرانية ألواح الفولاذ والأسلاك الشائكة والأبراج، في جدران خرسانية طولها 380 كيلومترًا وخنادق مسافتها 553 كيلومترًا تفصل بين جهتين من الأرض، في مشهد أمني تقليدي: دولة تحصّن حدودها، وتراقب...
المكان: مقهى «الويمبي» في شارع الحمرا، بيروت. الزمان: 24 سبتمبر (أيلول) 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. الحدث: رفض صاحب المقهى تقاضي ثمن المشروبات من جنود الاحتلال الإسرائيلي بالشيكل، وأصرّ على الليرة اللبنانية. الفعل: تدخّل المواطن...
أمطار يوليو تُفاجئ شوارع بيروت، والفيضانات تجتاح أنقرة، والنيران تلتهم غابات فرنسا وإسبانيا. ما نشهده اليوم ليس مُجرّد ظواهر مناخية متفرقة، بل مؤشرات على عالمٍ تتغير فيه قواعد الطبيعة، وتتبدّل فيه موازين الاقتصاد والتكنولوجيا، وقد...
كان يكفي، قبل عقود، أن تُعلِن إحدى الجامعات العربية عن ندوة سياسية حتى تمتلئ القاعات، وأن يصدر بيان طلابي حتى تلتقفهُ الصحف، وأن تُعلَن نتيجة انتخابات اتحادات الطلبة حتى تقرأه الحكومات بوصفها مؤشرًا على اتجاهات...
ليس كلّ من يدخل تاريخ لبنان يخرج منه مكرّمًا. فقد شكّل لبنان على مرّ التاريخ اختبارًا عسيرًا للقادة والدول والجيوش، ومقياسًا لقدرتهم على صنع السلام. ولعلّ أصعب ما في هذا البلد، أنه وطنٌ يختلف أبناؤه...
القضية في لبنان ليست قضية سلاح حزب الله فحسب، فالسلاح ليس إلا جزءًا من أزمة أوسع تحاول الأغلبية تجاوزها؛ إنها أزمة دولة عاجزة عن إقناع مواطنيها بأنها المرجع الأول للاستقرار والطمأنينة، وأن اللبناني لابُد وأن...
تخيّل أن العالم بأسره قد حُشر على متن طائرة عملاقة، أقلعت ولا تملك إحداثيات للهبوط. قائدها مجهول، يتواصل مع الركّاب عبر طاقم يعمل من خلف الستار، ويستعين بطيار آلي لا أحد يعلم مدى أهليته أو...
جلسة لمدّة ساعة ونصف بـ5951 ريالًا قطريًا، أي نحو 1630 دولارًا أمريكيًا. تلك هي تكلفة الجلسة الاستشارية مع أحد مستشاري العلاقات والسلوك الإنساني وجذور الصدمات المشهورين في عالمنا العربي، أو ما يُعرف اليوم بـ «مدرب...
مضادات تعترض صواريخ، واتصالات تتوالى لاحتواء التصعيد، وتهديدات واعتداءات، وأنظمة تبحث عن النجاة، وشرق أوسط جديد يتشكل، ومنعطفات تاريخية تضع سلوك الدول تحت المجهر.وسط هذه التوترات، برزت قطر مجدداً في سياسة خارجية متعددة الاتجاهات؛ لتكرس...
«لا أستطيع أن أُحصي عددًا دقيقًا لتكرار عبارة (نقلاً عن هيئة البث الإسرائيلية) في وسائل الإعلام العربية منذ عملية طوفان الأقصى حتى اليوم؛ لأن ذلك يتطلب مسحاً شاملاً لأرشيف إعلامي هائل. لكنني أستطيع التأكيد، وبثقة...