


عدد المقالات 117
وهذا هو ما حدث عندما أتى انتخاب مارجريت تاتشر ورونالد ريجان في أعقاب التضخم الكبير في أوائل سبعينيات القرن العشرين، وعندما تمخضت أزمة الكساد العظيم في الثلاثينيات عن الصفقة الجديدة و»الوحش الفظ» الذي تمثل في إعادة تسليح أوروبا. وقد اتسمت كل من هاتين التسويتين بعد الأزمة بتحولات في الفِكر الاقتصادي فضلاً عن السياسة. فقد أدى الكساد العظيم إلى اندلاع الثورة الكينزية في الاقتصاد، جنباً إلى جنب مع الصفقة الجديدة في السياسة. واستفزت الأزمات التضخمية في الستينيات والسبعينيات ثورة ميلتون فريدمان النقدية المضادة، التي ألهمت تاتشر وريجان. وبالتالي فقد بدا من المعقول أن نتوقع أن يتسبب انهيار الرأسمالية المالية المتحررة من الضوابط والقيود التنظيمية في إحداث تغير هائل رابع (أو الرأسمالية 4.0 كما أسميتها في عام 2010) في كل من السياسة والفِكر الاقتصادي. ولكن إذا كانت الرأسمالية العالمية تدخل مرحلة ثورية جديدة حقا، فما هي سماتها المحتملة؟ كانت السِمة المميزة لكل مرحلة متعاقبة من مراحل الرأسمالية العالمية التحول في الحدود بين الاقتصاد والسياسة. ففي رأسمالية القرن التاسع عشر التقليدية، كانت السياسة والاقتصاد يتجسدان من الناحية المثالية في مجالين متميزين، وكانت التفاعلات بين الحكومة والقطاع الخاص تقتصر على تحصيل الضرائب (الضرورية) لتغطية نفقات المغامرات العسكرية والحماية (الضارة) للمصالح الخاصة القوية. وفي المرحلة الثانية الكينزية من الرأسمالية، كان يُنظَر إلى الأسواق بعين الريبة، في حين اعتُبِرَ التدخل الحكومي صحيحاً. وفي المرحلة الثالثة، التي هيمنت عليها مارجريت تاتشر ورونالد ريجان، انقلبت هذه الافتراضات: فكانت الحكومة خاطئة عادة والسوق على صواب دائماً. وربما يمكن تعريف المرحلة الرابعة بالاعتراف بأن الحكومات والأسواق من الممكن أن ترتكب أخطاء مأساوية. وربما يبدو الاعتراف بهذه اللاعصمة التامة مُحبِطاً، ويبدو من المؤكد أن المزاج السياسي الحالي يعكس هذه الحال. ولكن الاعتراف بعدم العصمة من الخطأ قد يكون في واقع الأمر أداة تمكين، لأنه يعني ضمناً إمكانية التحسن في كل من الاقتصاد والسياسة. ولكن إذا كان العالَم معقداً وغير متوقع إلى الحد الذي يمنع الأسواق أو الحكومات من تحقيق أهداف اجتماعية، فإن هذا يستلزم تصميم أنظمة جديدة من الضوابط والتوازنات حتى يصبح بوسع عملية اتخاذ القرار السياسي أن تقيد الحوافز الاقتصادية والعكس بالعكس. وإذا كان العالم يتسم بالغموض واستحالة التنبؤ به، فلابد من إعادة النظر في النظريات الاقتصادية التي سادت في فترة ما قبل الأزمة، التوقعات العقلانية، وكفاءة الأسواق، وحيادية المال. وعلاوة على ذلك، ينبغي للساسة أن يعيدوا النظر في الكثير من البناء الأيديولوجي الخارق الذي أقيم على افتراضات أصولية السوق. ولا يشمل هذا إلغاء القيود التنظيمية المالية فحسب، بل وأيضاً استقلال البنوك المركزية، والفصل بين السياستين النقدية والمالية، والافتراض بأن الأسواق المتنافسة لا تحتاج إلى تدخل الحكومة لإنتاج عملية توزيع دخل مقبولة، ودفع الإبداع، وتوفير البنية الأساسية الضرورية، وتسليم المنافع العامة. من الواضح أن التكنولوجيات الجديدة وعمليات إدماج المليارات من العمال الإضافيين في الأسواق العالمية خلقت الفرص التي ينبغي لها أن تعني المزيد من الازدهار في العقود المقبلة مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة. ومع هذا، يحذر الساسة «المسؤولون» في كل مكان مواطنيهم من «معتاد جديد» يتسم بالنمو الراكد. ليس من المستغرب إذاً أن تثور ثائرة الناخبين. يستشعر الناس أن قادتهم يملكون الأدوات الاقتصادية القوية الكفيلة بتعزيز مستويات المعيشة. فمن الممكن طباعة النقود وتوزيعها بشكل مباشر على المواطنين. ومن الممكن رفع الحد الأدنى للأجور للحد من التفاوت بين الناس. وبوسع الحكومات أن تزيد من استثماراتها في البنية الأساسية والإبداع بتكاليف لا تتجاوز الصِفر. ومن الممكن أن يعمل التنظيم المصرفي على تشجيع الإقراض بدلاً من تقييده. ولكن نشر مثل هذه السياسات الراديكالية يعني رفض النظريات التي هيمنت على الاقتصاد منذ ثمانينيات القرن العشرين، جنبا إلى جنب مع الترتيبات المؤسسية التي تقوم عليها، مثل معاهدة ماستريخت في أوروبا. والواقع أن قِلة من الأشخاص «المسؤولين» ما زالوا على استعداد لتحدي العقيدة الاقتصادية التي سادت قبل الأزمة. تتلخص الرسالة التي تبثها الثورات الشعبوية اليوم، في أن الساسة لا بد أن يمزقوا دليل اللوائح التنظيمية الذي تعودوا على العمل وفقاً له قبل الأزمة، وأن يعملوا على تشجيع ثورة في الفِكر الاقتصادي. وإذا رفض الساسة المسؤولون ذلك، «فمن المؤكد أن وحشاً فظاً سوف يفيق أخيراً» لكي يقوم بهذه المهمة بالنيابة عنهم.
كل الدول تسارع في البحث عن سياسات صحية مناسبة لاحتواء جائحة «كورونا»، وفي غمرة البحث هذه يُطرَح سؤال حيوي: هل نحن بحاجة فقط إلى مناعة حيوية (بروتوكول علاجي) أم مناعة ضمير (بروتوكول أخلاقي/ وقائي)؟ الأمر...
خلف هذا السؤال هناك حقيقة ثاوية ومحرجة نوعاً ما، هل نحن أمام إمبريالية جديدة؟ وهل حضور الصين كقوة عالمية اليوم، يرشحها لأن تلعب هذا الدور بدلاً عن الريادة الغربية بقيادة أميركا؟ لكن قبل ذلك، ما...
نحن نعيش الآن في عالم ما بعد الفيروس، وبالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، فإن العبور لهذا العالم جاء على نحو مفاجئ أي قبل شهر. إن العالم كما عرفناه قبل وصول فيروس كورونا المستجد قد انتهى، ولن...
يبدو أن جائحة كورونا قد خلقت وثبة حيوية في الفكر، ترجّح نهاية العولمة الاقتصادية والنموذج النيوليبرالي بكل مظاهر الهيمنة التي تحدد ملامح وجوده، والأمر في اعتقادنا ليس بهذه القدرية المتفائلة، هل يمكن الحديث هنا عن...
اقترحت إدارة ترمب تخفيضات في تمويل مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها سنة بعد سنة «10% في عام 2018، 19% في عام 2019»، في أسوأ وقت يمكن تصوره، دعا ترمب في بداية هذا العام إلى خفض...
عندما كنت جندياً شاباً في سلاح مشاة البحرية في فيتنام، خلال فترة اتسمت بانقسام داخلي عميق في أميركا، كان نحو نصف سكان البلاد يقولون إنهم يثقون في إخوانهم الأميركيين، كان ذلك أمراً محبطاً للغاية. واليوم،...
من الواضح أن الاقتصاد العالمي أُصيب بنزلة برد. كان تفشّي فيروس «كورونا» المستجد (COVID-19) متزامناً بشكل خاص مع مرور دورة الأعمال العالمية بنقطة ضعف واضحة؛ فقد توسّع الناتج العالمي بنحو 2.9% فقط في عام 2019،...
يسجّل تفشّي فيروس كورونا المستجد «COVID-19» الآن انتشاراً متسارعاً، ومع اقترابه من مستوى الوباء أو الجائحة، بات من المرجّح على نحو متزايد أن يكون تأثيره الاقتصادي شديداً. وإلى جانب استجابات الصحة العامة المكثفة، يتعين على...
في عام 1958، قرر ماوتسي تونغ أنه من أجل تحقيق التصنيع السريع، يجب أن ينساق القرويون قسراً إلى البلديات، حيث يقومون بأداء مهام صناعية، كانت ستعتمد في مكان آخر على الآلات والمصانع. فعلى سبيل المثال،...
اليوم، وأنا أقرأ في الصحف، وأتفقد الأخبار الصادرة من منظمة الصحة العالمية، هناك بعض الأسئلة في الموقع لفتت نظري: السؤال الأول: هل يوجد لقاح ضد فيروس كورونا؟ كانت الإجابة كالتالي: «قد يستغرق الأمر عدة سنوات...
قبل حوالي نصف قرن، سأل أحد النقاد الفرنسيين «BFI» حول ما إذا كانت السينما قادرة على الوقوف دون أن تتكئ على عكازة الأدب، قفزت هذه العبارة إلى ذهني وأنا أسترجع بعضاً من أفضل الأفلام التي...
قبل أن يكون العالم على علم بفيروس كورونا الجديد، الذي أثار حالة من الذعر في العالم، لاحظ طبيب العيون في ووهان لي وين ليانج، شيئاً غريباً في عدد من المرضى، إذ بدا وكأنهم أصيبوا بفيروس...