alsharq

كتاب العرب

عدد المقالات 117

الخطاب الديني بين العقل والعاطفة

30 سبتمبر 2016 , 05:59م
تعتبر العاطفة أحد مكونات البناء المعرفي للإنسان رغم أنها ليست بناءً معرفيا بذاتها، بل انفعال يؤدي دور مقدمات المعرفة ويحرك دوافعها، إلا أن العاطفة تصبح في دائرة الاتهام عندما تنفرد في بناء الوعي الإنساني لما يسببه هذا التفرد من انحرافات خطيرة ومزالق جمة في وعي الأمم.
إن الخطاب عموما والديني خصوصا يحتاج إلى منبهات ومحفزات تثير لدى المتلقين مواطن الدافعية والتأثر والرغبة وهذه مهمة الخطاب العاطفي، فمن سماته أنه خطاب تحتوي مفرداته على الترغيب والمشاعر والتحفيز وإبراز ملامح الجمال أو جوانب السوء والغضب والتخويف عبر مخاطبة الوجدان الإنساني بغية إحداث انفعال يدفع إلى الفعل أو الترك، وعند الاكتفاء بالخطاب العاطفي يكون خطاب البناء قد توقف عند أول الطريق، فالبناء العاطفي يُحفزك ويدفعك للفعل، لكنه بحاجة أن يُسلم مهمة الوعي إلى مرحلة أخرى هي الأهم والأخطر، وهي مرحلة البناء المعرفي الحقيقي التي يقوم بها الخطاب العقلي كمكون ومحتوى ومضمون للخطاب، فتكون وظيفة الخطاب العاطفي التحفيز والتهيئة لاستقبال الخطاب العقلي الذي يُعلمك الطريق ويرسم لك خطوات الأفعال، فمهمة الخطاب العقلي التفسير والتوضيح والتعليل وإحداث المقارنات والمحاكمات العقلية، فيبين طُرق ووسائل الوقاية ويُذكر بالعواقب والنتائج كما يجيب على تساؤلات الشخص واستشكالاته العقلية ويطرح الأُطر العملية ووسائل البناء والارتقاء، رغبة في الوصول إلى تحقيق الهدف من أي موقف لبناء الوعي الكامل انتهاء إلى حصول المعرفة والعلم.
ومن هنا يتبين أن الخطاب العاطفي ليس خطاب بناء ومعرفة بذاته، بل خطاب تأثير وتنبيه يفتح الطريق لخطاب البناء والمعرفة الذي يقوم به خطاب العقل، وعندما يتفرد الخطاب العاطفي في البناء التربوي والمعرفي يصبح المتلقين في دائرة انفعالية دائمة لا تعرف النهاية وهنا يبدأ الخلل والانحراف في الخطاب.
الخطاب العاطفي خطاب انفعالي
فمن سمات الخطاب العاطفي أنه خطاب انفعالي يستيقظ عند وجود المؤثرات والمنبهات التي تحمل في طياتها صورة نمطية في وجدان المتلقي، وبمجرد غياب هذه المنبهات والمؤثرات تضعف وتضمحل، وتحتاج إلى مؤثر جديد أو أي سبب لتعود إلى الانفعال، ولذلك يحتاج الخطاب العاطفي إلى تكرار الرمزية والتنبيه عبر المواقف المثيرة بشكل دائم، وهذا ما أشار إليه القرآن في قوله (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) فالذكرى تنبيه وتحفيز يزول ويضعف بزوال المؤثر لذلك لزم تكرارها بشكل دائم، وليست الهدف مجرد الذكرى بذاتها فوراء الذكرى عمل وأخلاق وسلوكيات هي هدف الخطاب ومقصده.
يُعد الخطاب العاطفي خطابا مريحا للنفس لخلوه من الأعباء والتكاليف العملية وهذا يفسر الانجذاب الكبير إليه، على عكس الخطاب العقلي الذي يشعر معه الإنسان بالثقل لكونه يحتوي على الأوامر والتكاليف والأعباء العملية والسلوكية، والنفس بطبيعتها تستريح وتميل إلى خطاب العاطفة أكثر وهذا من أسباب الإغراق في هذا الخطاب، فعندما تُشحن الأمة بخطاب العاطفة المجرد إلى حد التضخم يضعف فيها خطاب العقل إلى حد التُهمة!، هنا ترتفع نسبة الانفعال ويضعف خطاب التوجيه فتحدث الكوارث الفكرية والسلوكية الكثيرة، وكأن الخطاب العقلي لجام يكبح اندفاع العاطفة اللاواعية ويحفظها من التمادي ويرسم لها الطريق الذي ترتقي به روحيا وعقليا وبهذا يكون البناء الحقيقي للإنسان، فالإنسان ليس عاطفة فحسب بل حياته متعلقة بنعمة العقل الذي يجعله يدرك الخير والشر والصحيح والسقيم، وأساس تعاملاته يقوم على هذا الميزان العدل بين العاطفة والعقل، وإعطاء كل خطاب مكانته وموضعه وحدوده، فالإغراق في خطاب العاطفة يولد خطابا مندفعا فاقدا للواعي بتبعات الأفعال والسلوكيات ومآلاتها، والإغراق في خطاب العقل يولد وعيا جافا مغرقا بالتكاليف والأعباء متجاهلا للروح ومتطلباتها، ومنهج التوازن هو المنهج الذي سار عليه الخطاب القرآني فالله مثلا يقول (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فوضع الشيء في موضعه الصحيح هو الحكمة وهو خطاب العقل، ولن تجد قبولا وترحيبا محتوى الحكمة حتى يأتي خطاب العاطفة ممثلا بالموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وهذا في الوضع الطبيعي عند تقديم أي خطاب، أما في وضع العلاج للانحراف فيُغلب خطاب دون آخر ليتم تدارك الانحراف الذي وقع في بنية الخطاب للعودة به إلى الخطاب المتوازن.
إن المتتبع لواقع الخطاب الديني بكل أشكاله وأنواعه المقروء والمسموع والمرئي يراه يُغرق في الخطاب العاطفي كنوع من ردة الفعل لواقع الصراع والتأزم، وبالتالي يحدث ضعفا للخطاب العقلي، وهذا انعكس على إنتاج المعرفة لدى النخبة المثقفة في المجتمع لضعف الثراء الذي يولده التساؤل والاستشكال والبحث العلمي والمعرفي، وهذا بدوره ينتج وعيا زائفا عاجزا عن مواجهة واقع الحياة العملية وتساؤلاتها المعرفية المُلحة، ففي ظل أجواء الانفتاح التي تفرض نفسها على ثقافة أي مجتمع، فالأمة اليوم بحاجة أن يُبنى عقلها ليستطيع مواجهة الكم الهائل من الثقافات والتعرف على الصحيح والسقيم منها بدلا من تخديرها بخطاب عاطفي.
اختلالات لها تبعاتها
إن تبعات هذا الاختلال في التوازن في بنية الخطاب التوجيهي أفرز العديد من الاختلالات لها تبعات كبيره على بناء وعي المجتمع، فالإغراق في خطاب العاطفة جعل ثقافة الجماهير تميل مع صوت العاطفة الأقوى لا صوت الحكمة والعقل، وهنا أصبح من السهولة بمكان تحريك الجماهير لتكون سلاحا مدمرا بيد من يثير عاطفتها أكثر، لقد تسبب الإغراق في الخطاب الديني العاطفي إلى عزل العقل عن نتائج التصرفات أمام القضايا الكبرى والمصيرية وما التطرف والتشدد والتعصب والطائفية إلا حصاد لغلبة الخطاب العاطفي وغياب صوت العقل.
تداعيات جائحة «كورونا»: مناعة القطيع أم مناعة الضمير؟

كل الدول تسارع في البحث عن سياسات صحية مناسبة لاحتواء جائحة «كورونا»، وفي غمرة البحث هذه يُطرَح سؤال حيوي: هل نحن بحاجة فقط إلى مناعة حيوية (بروتوكول علاجي) أم مناعة ضمير (بروتوكول أخلاقي/ وقائي)؟ الأمر...

هل الصين إمبريالية جديدة؟

خلف هذا السؤال هناك حقيقة ثاوية ومحرجة نوعاً ما، هل نحن أمام إمبريالية جديدة؟ وهل حضور الصين كقوة عالمية اليوم، يرشحها لأن تلعب هذا الدور بدلاً عن الريادة الغربية بقيادة أميركا؟ لكن قبل ذلك، ما...

مرحباً بكم لعالم ما بعد الفيروس (1-2)

نحن نعيش الآن في عالم ما بعد الفيروس، وبالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، فإن العبور لهذا العالم جاء على نحو مفاجئ أي قبل شهر. إن العالم كما عرفناه قبل وصول فيروس كورونا المستجد قد انتهى، ولن...

نظام عالمي جديد أم ما بعد الحضارة الغربية؟

يبدو أن جائحة كورونا قد خلقت وثبة حيوية في الفكر، ترجّح نهاية العولمة الاقتصادية والنموذج النيوليبرالي بكل مظاهر الهيمنة التي تحدد ملامح وجوده، والأمر في اعتقادنا ليس بهذه القدرية المتفائلة، هل يمكن الحديث هنا عن...

فشل سياسات ترمب في احتواء الوباء (2-2)

اقترحت إدارة ترمب تخفيضات في تمويل مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها سنة بعد سنة «10% في عام 2018، 19% في عام 2019»، في أسوأ وقت يمكن تصوره، دعا ترمب في بداية هذا العام إلى خفض...

الولايات المتحدة تحتاج إلى تجنيد الشباب

عندما كنت جندياً شاباً في سلاح مشاة البحرية في فيتنام، خلال فترة اتسمت بانقسام داخلي عميق في أميركا، كان نحو نصف سكان البلاد يقولون إنهم يثقون في إخوانهم الأميركيين، كان ذلك أمراً محبطاً للغاية. واليوم،...

عندما تعطس الصين (1-2)

من الواضح أن الاقتصاد العالمي أُصيب بنزلة برد. كان تفشّي فيروس «كورونا» المستجد (COVID-19) متزامناً بشكل خاص مع مرور دورة الأعمال العالمية بنقطة ضعف واضحة؛ فقد توسّع الناتج العالمي بنحو 2.9% فقط في عام 2019،...

خطة الطوارئ في التصدي لوباء كورونا (1-2)

يسجّل تفشّي فيروس كورونا المستجد «COVID-19» الآن انتشاراً متسارعاً، ومع اقترابه من مستوى الوباء أو الجائحة، بات من المرجّح على نحو متزايد أن يكون تأثيره الاقتصادي شديداً. وإلى جانب استجابات الصحة العامة المكثفة، يتعين على...

قفزة الصين العظيمة نحو الوباء (2-2)

في عام 1958، قرر ماوتسي تونغ أنه من أجل تحقيق التصنيع السريع، يجب أن ينساق القرويون قسراً إلى البلديات، حيث يقومون بأداء مهام صناعية، كانت ستعتمد في مكان آخر على الآلات والمصانع. فعلى سبيل المثال،...

«كورونا».. موضة الحروب الجديدة

اليوم، وأنا أقرأ في الصحف، وأتفقد الأخبار الصادرة من منظمة الصحة العالمية، هناك بعض الأسئلة في الموقع لفتت نظري: السؤال الأول: هل يوجد لقاح ضد فيروس كورونا؟ كانت الإجابة كالتالي: «قد يستغرق الأمر عدة سنوات...

التعايش الناجح بين السينما والأدب: «السينما بين الرواية والسيرة الذاتية: جاك لندن وجيمس فراي نموذجاً»

قبل حوالي نصف قرن، سأل أحد النقاد الفرنسيين «BFI» حول ما إذا كانت السينما قادرة على الوقوف دون أن تتكئ على عكازة الأدب، قفزت هذه العبارة إلى ذهني وأنا أسترجع بعضاً من أفضل الأفلام التي...

قفزة الصين العظيمة نحو الوباء (1-2)

قبل أن يكون العالم على علم بفيروس كورونا الجديد، الذي أثار حالة من الذعر في العالم، لاحظ طبيب العيون في ووهان لي وين ليانج، شيئاً غريباً في عدد من المرضى، إذ بدا وكأنهم أصيبوا بفيروس...