


عدد المقالات 336
الهجرة النبوية المباركة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة حدث لا كالأحداث ومناسبة لا كالمناسبات، وربما يسعنا القول: إن التاريخ البشري كله قد ولد بها ولادة جديدة، وإن أغلب الأحداث الكبيرة والصغيرة التي جاءت بعد الهجرة إنما كانت امتدادا لها أو أثرا من آثارها، من معركة بدر وفتح مكة إلى سقوط كسرى وفتح القسطنطينية، ولن تنتهي هذه الآثار والامتدادات حتى تقوم الساعة، ولذلك كان ينبغي على سكان الأرض جميعا أن يتناولوا هذا الحدث بالتحليل الدقيق والعميق فهو لا يخص المسلمين دون سواهم، ولا يخص مرحلة دون أخرى، ولا بقعة جغرافية دون غيرها. أما المسلمون فهم مقصرون مع دينهم وتراثهم وتاريخهم والعالم الذي حولهم إن لم يقدموا قراءتهم الناضجة والواعية لهذا الحدث الكبير. إن ترديد المقولات التي لم تخضع للفحص والتحقيق قد أضر بقدرة المسلمين على تشكيل الصورة الكلية الصالحة للتأسي والاقتداء، ومن ثم تعددت القراءات وتعددت الصور في أذهانهم فكان هذا سببا مضافا لضعفهم وتشتتهم. إن تفسير الهجرة كنتيجة حتمية لعقيدة الولاء والبراء قد ألقى بظلاله في نفوس الشباب المتدين فظنوا أن مفاصلة المجتمعات غير الإسلامية واجب ديني وعلامة فارقة للإيمان الحق والتوحيد الخالص! وهذه إحدى المقولات التي جعلت الشباب يعيشون حالة من القلق والتوتر مع مجتمعاتهم تمكنوا من الهجرة عنها أم لم يتمكنوا. لقد نسي هؤلاء أن قرار المقاطعة وعزل المسلمين عن المجتمع المكي كان قرار المشركين وليس قرار المسلمين، وكان اليوم الذي سلط الله فيه الأرضة على وثيقة المقاطعة كان يوم نصر للمسلمين، فالمسلمون لا يسعون إلى مقاطعة أحد، وليس ذلك مطلوبا في دينهم. ونسي هؤلاء أيضا أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وجد فيها قبائل اليهود وبعض البطون المشركة من قبائل العرب فضم هؤلاء جميعا في دولته، وبنود الوثيقة النبوية صريحة في هذا، ثم تحالف مع قبيلة خزاعة وكانت على الشرك أيضا. وفي القصص النبوي شواهد مماثلة، فهذا يونس عليه السلام يعاتبه الله عتابا شديدا لأنه هجر قومه ولم يصبر على المقام معهم مع أنهم كانوا على دين غير دينه، وهذا يوسف عليه السلام بقي يعمل لإنقاذ أهل مصر من الفقر والجوع وهم على دين آخر، بل كانت الحكومة التي يعمل فيها على غير دينه أيضا «ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك». إن هناك فرقا شاسعا ومؤثرا في نظرة المسلم لغيره بين أن نقول: إن الهجرة كانت بسبب (كفر المجتمع) أو إنها كانت بسبب (ظلم المجتمع)، وهذه نقطة جوهرية وحاسمة وتجعل المسلم على مفترق طرق في علاقاته المحورية. إن إبراهيم عليه السلام الذي قال: «إني مهاجر إلى ربي» لم يهاجر إلا بعد أن آذاه قومه وأضرموا فيه النار، بينما تقبل المصريون يوسف وإخوته ورحبوا بهم فعاشوا وتعايشوا معهم رغم ما بينهم من خلاف في المعتقد، وعلى هذا ينبغي إخراج موضوع الهجرة من دائرة (الولاء والبراء) إلى دائرة (فقه العلاقات) وهذه دائرة واسعة وتحتمل الاجتهادات الكثيرة والمتنوعة بحسب تقدير الموقف وحسابات المصالح والمفاسد. في دائرة التأريخ هناك من يدعو إلى حتمية أخرى مؤداها ضرورة التحقيب الزمني للدعوة والعمل الإسلامي، فتراه يقول مثلا: لقد بقي الرسول صلى الله عليه وسلم عشر سنوات في مكة لا يهتم إلا بقضية واحدة فقط وهي قضية التوحيد، حتى إذا اطمأن أن أصحابه قد أكملوا (دورتهم الإيمانية) وترسخت فيهم عقيدة التوحيد الصافية أمرهم بالهجرة! والحقيقة أن هذه المقولة لا تخلو من مغالطات دينية وتاريخية، أما الدين فإن القرآن المكي تعرض لكل جوانب الحياة ولم يقتصر على مسائل العقيدة فتراه يقول: «ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون» و «وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت» و «فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة»، وفي القصص النبوي نجد شعيبا عليه السلام يقرن دعوته إلى التوحيد بدعوته للعدل الاقتصادي «قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان»، ونجد لوطا عليه السلام يقول لقومه وهم على شركهم: «أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون»، ونجد موسى عليه السلام يندد بالفساد والظلم ويعمل على إنقاذ المظلومين «إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين * ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين» والملاحظ هنا حجم التفريق بين (فرعون يوسف) و(فرعون موسى) فالأول تجب الهجرة إليه والتعاون معه، والثاني يجب التمايز عنه والخروج عن حكمه وأرضه! أما المغالطة التاريخية فالعقد المكي لم يكن تخطيطا نبويا لغرض إكمال التعليم والإعداد التربوي، بل هو فترة اقتضتها البيئة والظروف المحيطة لا أكثر، ولو آمن الأوس والخزرج قبل ذلك لهاجر إليهم عليه الصلاة والسلام بدليل أنه هاجر إلى الطائف قبل ذلك، وبعث خيرة أصحابه إلى الحبشة قبل ذلك أيضا. فأين هذا التقديس للعهد المكي ولسنواته العشر؟ ثم لو كانت هذه العشر ضرورة تربوية فلماذا لم يفرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين الجدد والذين دخلوا في دين الله أفواجا بعد الهجرة؟ ولماذا لم يكرَّر هذا النموذج المكي في البلاد الأخرى؟ ولماذا اختار الرسول صلى الله عليه وسلم خالدا رضي الله عنه لقيادة جيشه وهو لم يمض على إسلامه سوى بضعة شهور؟ ولماذا اختار عمرُ بن الخطاب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما واليا على الشام وفيها المهاجرون والأنصار؟ فالذين خضعوا لتربية السنوات العشر قد أصبحوا في الكثير من الأحيان جنودا في ظل (القادة الجدد) الذين لم يخضعوا لتلك التربية، وهذا يؤكد أن تلك الفترة لم تكن حتمية دينية ولا حتمية تاريخية ولا تربوية بل هي بنت ظرفها وبيئتها وكان ممكنا أن تكون أقل من ذلك أو أكثر، وكل ما بني على ذلك التحقيب من نظريات وأدبيات بحاجة إلى المراجعة وإعادة النظر.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...