alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 42

محمد يوسف العركي 03 أكتوبر 2026
الفن الفارغ «Vacant Art»
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 01 أكتوبر 2026
قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة
خالد محمد مفتاح 03 أكتوبر 2026
تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعلم
رأي العرب 04 أكتوبر 2026
«الأقربون».. تميز خليجي

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

28 سبتمبر 2026 , 12:30ص

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش انعقاد دورتها الحادية والثمانين، لأجد نفسي في قاعات متحف المتروبوليتان بنيويورك أمام قاعة معرض يحمل عنوانًا لافتًا: «أَعِد النظر: اللوحات الأوروبية من 1300–1800». 
كانت المفارقة أنني خرجت من مكان تُناقش فيه السياسة بلغة الدول والحدود والسيادة والهوية، لأجد الأسئلة نفسها معلقة على جدران المتحف، ولكن بلغة أكثر هدوءًا وعمقًا، لغة الفن والذاكرة والتاريخ.
فالمعرض لا يطلب من الزائر أن يتمعن في اللوحات حصرا، بل أن يعيد النظر في الفكرة التي جُمعت هذه اللوحات تحتها: ما الذي نعنيه أصلًا حين نقول «الفن الأوروبي»؟ وماهي أوروبا التي نتحدث عنها؟ وأين كانت تبدأ وأين تنتهي بين القرنين الرابع عشر والثامن عشر؟ 
فكلما اقتربنا من الأعمال التي يفترض أنها تروي قصة أوروبا، خرجت بنا اللوحات إلى ما وراء حدودها الحديثة؛ إلى البحر المتوسط وشمال أفريقيا والأناضول والعالم الإسلامي، وإلى فضاء واسع تحركت داخله الجيوش والسفن والتجارة والأديان والأفكار والبشر في اتجاهات متعددة.
مجرد أن تتمعن في تفاصيل اللوحات نفسها، تبدأ هذه الحدود في الانهيار. ستلاحظ الملابس والاقمشة والسلع والنقوش العربية والإسلامية، وتتكشف الثيمات والرموز القادمة من خارج أوروبا. يظهر البحر المتوسط بوصفه فضاءً مشتركًا لا حدًا فاصلًا. تظهر شمال أفريقيا وبلاد الشام والأناضول باعتبارها أجزاء من العالم الذي عاشت فيه أوروبا، لا عوالم بعيدة عنه.
لقد اعتدنا النظر إلى أوروبا كما لو أنها قطعة جغرافية وحضارية مستقرة، لكن تاريخها الفعلي كان أكثر تعقيدًا. لم تكن جغرافيتها ثابتة، ولا هويتها واحدة، ولا المسيحية التي هيمنت عليها كتلة متجانسة. فقد انقسم عالمها المسيحي بين الكنائس الغربية والشرقية، ثم أعاد الإصلاح البروتستانتي رسم خرائط الدين والسلطة والحرب. 
وفي قلب هذه الجغرافيا عاش اليهود قرونًا، وكان الإسلام حاضرًا في الأندلس وصقلية والبحر المتوسط، ثم أصبح الوجود العثماني جزءًا من تاريخ جنوب شرقي أوروبا لقرون طويلة.
والفلسفة اليونانية نفسها لم تصل إلى أوروبا الحديثة في مسار أوروبي خالص. أجزاء مهمة من الإرث الفلسفي والعلمي القديم حُفظت وشرحت وطُورت داخل الحضارة العربية الإسلامية، قبل أن تعود عبر الترجمة إلى اللاتينية. لم يكن ابن رشد مجرد حاشية شرقية على أرسطو؛ لقد أصبح جزءًا من تاريخ الفلسفة الأوروبية نفسها. ولم تكن حركة الترجمة في بغداد حدثًا خارج التاريخ الغربي، بل إحدى الحلقات التي جعلت هذا التاريخ ممكنًا.
لذلك لم تكن فكرة أوروبا مجرد نتيجة لصناعة الجغرافيا، بل كانت أيضًا بناءً تاريخيًا وثقافيًا جرى عبره تحديد ما يدخل في هويتها وما يبقى خارجها. وكان الفن جزءًا من هذه العملية، لأن اللوحات لا تحفظ الوجوه والمناظر والمعارك وحدها، بل تحفظ أيضًا ترتيب العالم الذي أنتجها: من يقف في المركز، ومن يظهر على الأطراف، ومن يُنظر إليه بوصفه جزءًا من التاريخ، ومن يظهر بوصفه غريبًا عنه.
ومن هنا اكتسبت لوحات جيوفاني باتيستا تييبولو في قاعات المعرض دلالة تتجاوز جمالها وضخامتها. فقد عاد تييبولو في القرن الثامن عشر إلى التاريخ الروماني القديم واستحضر مشاهد الإمبراطورية والحرب والسلطة، غير أن الجغرافيا التي تتحرك فيها هذه القصص لا تنتمي إلى أوروبا وحدها. إنها تمتد إلى نوميديا وشمال أفريقيا وإلى فضاء البحر المتوسط، في عالم كانت فيه قرطاج والإسكندرية وأنطاكية جزءًا من النظام السياسي والثقافي نفسه الذي كانت روما في مركزه.
وهنا تظهر واحدة من مشكلات قراءتنا الحديثة للماضي، أننا نضع روما تلقائيًا داخل «التاريخ الأوروبي»، مع أن الإمبراطورية الرومانية كانت متوسطية في بنيتها واتساعها، ممتدة في أوروبا وشمال أفريقيا ومصر وبلاد الشام والأناضول. وبذلك فإننا نقرأ أحيانًا الماضي بحدود لم يعرفها هو نفسه.
هنا يصبح الفن سياسيًا من دون أن يرسم السياسة مباشرة. فاستدعاء الإمبراطوريات القديمة في لحظات التراجع يمكن أن يتحول إلى طريقة لمعالجة قلق الحاضر. وعندما تفقد المجتمعات شيئًا من قدرتها على صناعة المستقبل، تصبح أكثر ميلًا إلى استدعاء الأزمنة التي كانت فيها في مركز العالم. ومن هذه الزاوية، تبدو لوحات تييبولو وكأنها تتحدث عن روما في ظاهرها، بينما يطل من خلفها قلق البندقية على موقعها ومصيرها.
وتزداد هذه الصورة وضوحًا عند النظر إلى علاقتها بالعثمانيين. فقد خاضت البندقية معهم الحروب، لكنها لم تستطع أن تعيش خارج المجال الاقتصادي الذي كانوا جزءًا أساسيًا منه. تنافست معهم وتاجرت معهم وتأثرت بالعالم الذي حكموا أجزاء واسعة منه. ولهذا لم تكن العلاقة بين الشرق والغرب خطًا واحدًا عنوانه الصدام، بل شبكة من المنافسة والتبادل والخوف والانبهار والحاجة المتبادلة.
 إذا الحديث عن أن الشرق «أثّر» في الغرب، أو أن الغرب «أثّر» في الشرق، يفترض ضمنًا وجود عالمين مكتملين ومستقلين، ثم بدأت بينهما لاحقًا عملية التأثير المتبادل. لكن التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك؛ إذ ربما لم يكن هناك أصلًا «غرب نقي» ثم جاء الشرق ليترك بصمته فيه، كما لم يكن هناك «شرق نقي» تشكّل بمعزل عن محيطه. كلاهما تكوّن داخل شبكة طويلة من التفاعل والتبادل والصراع والترجمة والهجرة والتجارة.
 فالهوية الحضارية ليست ما نكونه في غياب الآخرين، بل ما نصبح عليه من خلال علاقتنا بهم. ومن هنا تتجاوز إعادة قراءة الفن الأوروبي حدود تاريخ الفن نفسه، لتقودنا إلى سؤال معاصر شديد الحساسية: ما الغرب اليوم؟ أهو جغرافيا، أم دين، أم منظومة قيم، أم تاريخ، أم اقتصاد، أم هوية سياسية مرنة يعاد تعريفها كلما تغيرت الظروف؟ ويزداد هذا السؤال إلحاحًا مع الهجرة، وصعود اليمين الشعبوي، وتصاعد الإسلاموفوبيا، والجدل حول الهوية الأوروبية، حيث يُستدعى أحيانًا مفهوم «الدفاع عن الحضارة الغربية» وكأنها كيان خالص يمكن رسم حدوده بوضوح وعزله عن بقية العالم.
غير أن التاريخ الذي تكشفه المتاحف نفسها يهدم وهم النقاء هذا. فالحضارة التي يُراد حمايتها من «الآخر» صُنعت، في جانب مهم منها، من خلال التفاعل معه؛ والمسيحية التي تُستدعى أحيانًا بوصفها مكوّنًا للخصوصية الأوروبية وُلدت خارج أوروبا، والفلسفة التي أصبحت أحد أسس العقل الغربي عبرت قرونًا من الترجمة والشرح وإعادة الإنتاج في فضاءات غير أوروبية، كما أن المدن التي أنجبت النهضة ازدهرت داخل شبكات تجارة واتصال امتدت عبر المتوسط والعالم الإسلامي وآسيا. 
والمفارقة أن كلما فتشنا عن حضارة خالصة وجدنا وراءها تاريخًا مختلطًا، وكلما حاولنا إحكام حدودها اكتشفنا أن لحظات ازدهارها الكبرى وقعت حين كانت تلك الحدود أكثر انفتاحًا. فخصوصية الحضارات لا تأتي من النقاء، بل من قدرتها على امتصاص المؤثرات وتحويلها إلى إبداع جديد. فعلت روما ذلك، وفعلته الحضارة الإسلامية، وفعلته أوروبا، كما فعلته معظم الحضارات الكبرى: أخذت من غيرها، وأضافت، وأعادت الإنتاج، ثم نسيت أحيانًا مقدار ما أخذت.
ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي تمنحه قاعات المتروبوليتان: لا توجد حضارة نقية إلا في السرديات التي تُكتب بعد انتهاء المعارك؛ أما الحضارات الحقيقية فتولد من الاختلاط، وتكبر بالتفاعل، وتزدهر حين لا تخشى الآخر.
ولهذا السبب كانت المفارقة بين قاعة الأمم المتحدة ومتحف المتروبوليتان أكثر دلالة بالنسبة لي. ففي الأولى كان العالم منشغلًا بإدارة الحدود والدول والصراعات والهويات؛ وفي الثاني كانت لوحات عمرها مئات السنين تقول، بصمت، إن هذه الحدود نفسها أكثر حداثة وهشاشة مما نعتقد. السياسة تحاول تثبيت الخرائط، بينما يكشف التاريخ مقدار ما تغيرت فيه هذه الخرائط، ان السياسة تبحث عن هويات واضحة، بينما يكشف الفن أن الهوية كانت دائمًا أكثر تركيبًا من التعريفات التي نصنعها لها.

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...

السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...

حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...

التعليم في قطر: بين إدارة المؤسسات وصناعة المستقبل

ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...

العرب ومعركة الحاضر والمستقبل

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...

بين الردع والوساطة.. كيف يفكر الخليج؟

بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...