


عدد المقالات 336
إذا كانت السلبية تعني التشاؤم والخمول واللامبالاة، فلا شكّ أن الإيجابية تعني التفاؤل والنشاط وتحمّل المسؤولية. وإذا كان للسلبية أسبابها ومشجعاتها فإن للإيجابية كذلك أسبابها ومشجعاتها، وكثيراً ما يجد الإنسان نفسه محلاً لتنازع الجهتين، والقرار يعود له أولاً وأخيراً في الانحياز لهذه أو تلك. إن سُلّم الحاجات التي يشعر بها الإنسان يعدّ المحرك الأول نحو الإيجابية، ولكل إنسان سلّمه بحسب همته وثقافته والبيئة المحيطة به؛ فالجائع يتحرك للبحث عن الطعام، والمريض يتحرك للبحث عن الدواء، وعاشق المعرفة يتحرك للبحث عن مظانّها ومصادرها، وطالب الشهرة يبحث عن مدارجها، وطالب الآخرة يبحث عن معارجها.. وهكذا، فكل هؤلاء الذين يتحركون على الأرض إنما يتحركون لسدّ حاجة في داخلهم، سواء أكانت هذه الحاجة مادية أم معنوية، دنيوية أم أخروية، فردية أم جماعية. إن لاعب الكرة يبذل الجهود الاستثنائية في ميادين الإعداد والتدريب حتى ميادين المباراة وصناعة الأهداف، كذلك ترى التاجر الذي لا يكاد ينام أو يرتاح إلا والحسابات المتشابكة تضغط على مخيّلته، ومثلهما أو يزيد ذلك المرشّح لكرسي الرئاسة أو حتى لمقعد برلماني، وهكذا ترى الداعية الصادق المبشّر بعقيدته ودينه كيف يجوب المدن والقرى في السهول والجبال وما وراء الأنهار ويتحمل الأذى والصدود ليُسمع الناس كلمته وليبلّغهم رسالته.. فما الذي يجمع بين هؤلاء؟ وما الذي جعلهم يستهينون بالصعب ويستلذّون المر؟ إنها الإيجابية التي تكوّنت عندهم ففجّرت طاقاتهم ودفعتهم في هذه الميادين على اختلاف غاياتهم واختلاف مشاربهم. إن الشعور الذاتي بالحاجة إلى تحقيق إنجاز ما، مع وجود النشاط الذاتي أيضاً والقادر على تحويل الشعور إلى حركة، يضاف إلى ذلك روح العناد والمطاولة وتكرار المحاولة؛ فهذه هي أركان الإيجابية. فإذا وجدنا انخفاضاً في مستوى الإيجابية في مجتمع ما فما علينا إلا فحص هذه الأركان ركناً ركناً على طريقة السبر والتقسيم، أو الاحتمال والفرض؛ حتى نصل إلى نقطة الخلل. إن الطالب الذي يتغيّب عن المحاضرات ويُكثر من الأعذار و»التقارير الطبية»، فإذا حضر الدرس حضر متأخراً، وإذا جلس على كرسيه لم يلبث حتى يُخرج جواله لينظر فيه ولو لم يكن بحاجة إليه. وقُل مثل ذلك في الموظف الذي دأب على التسويف والتأجيل حتى تتراكم الأوراق على مكتبه وكأنه ينتظر من ينجزها غيره، والأم التي تُحيل كل شيء في بيتها إلى خادمتها حتى اللقمة التي تدخل في جوفها أو جوف أبنائها وبناتها! وذلك الأب الذي يؤثر السهر مع أصدقائه في كل ليلة إلى الثلث الأخير فيقصّر مع أهله في البيت ويقصّر مع زملائه في العمل، وربما يقصّر مع ربه في صلاة الفجر.. هؤلاء يشكّلون صورة من صور السلبية القاتلة في المجتمع، والتي تتطلب قدراً كبيراً من الاهتمام والمعالجة. إن البحث في المؤثّرات والعوامل الخارجية لا يمكن أن يحل المشكلة قبل البحث في ذاتية الإنسان والعمل على صناعة الدافعية في تكوينه الداخلي، فكم من شتلة وفّرت لها كل عوامل النمو فماتت، وكم من بذرة شقّت طريقها بنفسها بين الصخور حتى غدت شجرة مثمرة وارفة الظلال.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...