رحلة رعب وإهمال.. لمعرض الكتاب
25 ديسمبر 2011 , 12:00ص
عند الذهاب في رحلة مدرسية ما لمعرض أو مركز ما، تضع بعض المدارس الخاصة لطلابها وطالباتها أسورة أو تعليقات عنق بها بطاقة تحمل اسم المدرسة ورقم الجهة التي يجب الاتصال بها في حال ضياع الطالب أو الطالبة، كذلك تفعل حملات الحج الأجنبية لضمان إيجاد الحاج في حالة «توهانه» وانفصاله عن مجموعته رغم كونه رجلا بالغا أو امرأة بالغة، أما المدارس المستقلة في قطر فلا تفعل شيئا من ذلك، بل لا تصطحب العدد الملائم من المرافقات للطالبات الصغيرات والطلاب الصغار، وإن حدث واصطحبت فوجودهن كعدمه، لا أحد يقترح على الطالبات أو الطلاب الصغار ما يفيدهم ويناسبهم، ولا أحد يشرف على عملية الحساب مع البائع المستغل غالبا لطفولة وجهل الطلبة بعملية الشراء والتحاسب، وأخيرا وهو الأدهى.. لا أحد يهتم بوجود العدد الواقع تحت إشرافه مكتملا معه أم لا!! بل لا أحد يبحث عن الطالب الضائع والمفقود في حال نبهه زملاء الفصل لفقده!!
ما أتحدث عنه اليوم حادثة حصلت لطالبة في الصف الخامس الابتدائي بإحدى المدارس المستقلة «الرائدة»، روتها لي الطالبة ووالدتها معا..
تقول الحكاية المثيرة للاستغراب والحنق، المستدعية للمساءلة والمحاسبة واستصدار قوانين وتعليمات جديدة تخص الرحلات الطلابية ووسائل ومتطلبات الرعاية والأمن والتنظيم والمتابعة فيها.. إن الطالبة كانت ضمن مجموعة طالبات مع مدرّستهن «المشرفة» عليهن يبتعن الكتب، فأصدرت المعلمة أوامر التحرك ومشت في المقدمة وتبعتها الطالبات دون الانتباه إلى أن طالبة ما زالت واقفة بانتظار إعادة البائع بقية المبلغ لها، وما إن أعاده والتفتت ناوية اللحاق بركب زميلاتها إلا وكن قد اختفين.. أخذت هذه الطالبة فترة من الزمن باحثة عنهن في أرجاء المعرض بينما لم تفتقدها المعلمة المرافقة ولم تبحث عنها!! افتقدتها زميلاتها، وحين انتابهن الفزع لاختفائها لم تخفف عنهن المعلمة المرافقة ذلك الشعور، ولم تسرع للأمن للمناداة باسمها عبر الميكرفون، وإنما بدلا من ذلك تذمرت من بكائهن قائلة: «أنا زهقت.. زهقت. حسيبكم وأروح واللي عاوزني يمشي ورايا»، وقالت أيضا كما أخبرت الطالبات زميلتهن لاحقا: «سيبوها يجوا أهلها ياخدوها.. ده أتعس يوم اللي جينا فيه المعرض».
على الجانب الآخر كانت الطالبة ما زالت تبحث عن زميلاتها و «أبلتها» التعسة بالقدوم للمعرض غير الباحثة عمن ضاعت وغير المهدئة للباكيات القلقات، إلى أن عثرت على مجموعة أخرى من نفس المدرسة فتوجهت إليها (فيلم عربي يصلح له اسم «الضياع»)، مخبرة مشرفة المجموعة الجديدة عن فقدها لمجموعتها، وهنا بدلا من أن تمسك بها «الأبلة» الأخرى من تلابيبها على اعتبار أنها طفلة ضائعة، أوكلت لمعلمة أخرى أمر الاهتمام بها، وأيضا انفصلت الطالبة مرة أخرى عن هذه المجموعة لتجد مجموعتها بعد فترة من البحث، ولتحضن الطالبات الصغيرات بعضهن بعضا باكيات في مشهد ينتمي للأفلام السينمائية القديمة.
الأسئلة أو التساؤلات الواردة للذهن عند الاستماع لهذه الحكاية هي:
1- لِمَ لمْ يتم الاتفاق مع الطالبات وهن في الباص قبل النزول للمعرض على مكان للتجمع والانتظار في حال الضياع؟
2- لِمَ لمْ توضع في معصم أو على ملابس كل طالبة بطاقة تعريفية بجهة الانتماء ورقم للتواصل في الحالات الاضطرارية؟
3- لماذا تتحرك المشرفة المرافقة من مكان لآخر دون التأكد من اكتمال عدد الطالبات المرافق لها؟
4- لِمَ لمْ تتجه المشرفة للأمن للنداء على الطالبة عبر الميكرفون حالما علمت بفقدها عند بكاء زميلاتها؟
5- لِمَ لمْ تتفاعل معنويا مع الطالبات بالتهدئة والكلمات اللطيفة حين انتابهن القلق والرعب؟
6- لماذا تجهل المشرفات المكلفات باصطحاب الطالبات في نفس الرحلة أرقام هواتف بعضهن بعضا، مع حاجتهن للتواصل بداعي العمل؟ فحين عثرت الطالبة على المجموعة الأخرى كانت معلمتها على جهل برقم موبايل المعلمة الأخرى المرافقة لها!!
بقي أن أقول إن ثلاث طالبات فُقدن وتم العثور عليهن في رحلة الإثارة والرعب تلك، ضمنهن الطالبة التي أتحدث عنها، وذلك يلقي الضوء على الشروط والمميزات المطلوب توافرها في المرافقات للطلبة!!
أما المعضلة اللاحقة والمكملة لمعضلة قصور التنظيم والإشراف، فهي معضلة سائقي باصات «كروة» الأشاوس، وما أدراك ما سائقو كروة ما لم تكن راكبا في باصهم أو لك طفل راكب معهم!!
إنهم «السوبرمانات» الخارقون الذين لا يهابون شيئا، لا يحرك مشاعرهم رصيف، ولا تهزهم مظلة سيارات، ولا يخيفهم جدار منزل!! يدخلون في كل شيء بقلب بارد ودم أبرد، متحدّين الـD3 في تقريب الواقع بتطبيقهم المعايشة العملية لا التقريبية للأحداث، تريد أن تعيش وتستشعر إثارة المشاعر الناتجة عن الدخول في جدار؟.. ادخل في جدار!!
إنهم أبطال هوليوود أو بوليود المقبلون، إنما هم في طور التدريب لبطولات الأكشن عبر التمرن على باصات كروة في المدارس القطرية، وأقترح أن يبدع لهم نصوص الأفلام الدكتور عبدالله النفيسي بعد ما أظهره من قدرات تأليفية مؤخرا...
هل شاهدتم فيلم الممثلة الأميركية ساندرا بولوك الذي تقود فيه باصا مفخخا دون توقف؟ يصلح أن يقوم بهذا الدور أي سائق من سائقي كروة، وسيكون فيلما شيقا لأن أبطاله طلبة مدارس صغار أبرياء، ومشرفات لا يحسن الإشراف على الطلبة.
وستكون لقطات الأكشن فيه الاصطدام بالرصيف فتصطدم رؤوس الطلاب بالكراسي أمامهم، ثم الاصطدام بمظلة سيارات على شارع عام أو داخلي.. سيان، فيقع بعض الطلبة على الأرض وتشق وتدمي شفاه عدد منهم، بينما تزداد حدة الاصطدامات بخلفيات الكراسي التي أمام البقية ممن لم يقعوا على أرضية الممر، فلا يثني ذلك السائق ولا يردعه، بل يزداد رعونة وتهورا فيأتي المشهد الأخير.. مشهد الذروة.. حيث يتمكن جدار منزل سكني من إيقاف سوبرمان الباص المدرسي أو «رامبو» الباص المدرسي!! وهنا يتراكم الأطفال في مشهد دراماتيكي حركي مؤثر في ممر الباص متكدسين فوق بعضهم بعضا، منهم من شُجت شفته ومنهم من كُسرت سنّه ومنهم من رُضّت ضلوعه.. THE END.
كل ما ذُكر كان في الواقع.. من الواقع وليس من أفلام هوليوود، إذ فعلا تصطدم باصات كروة المدرسية بجميع ما سبق وأكثر، وفعلا شُجت ودميت شفة طالبة، وفعلا كسرت سن طالبة، وفعلا ضاعت ثلاث طالبات في رحلة معرض الكتاب، شكرا أيتها المستقلات.. للتعليم الجيد.. والاعتناء الجيد.. والسائقين المهرة.