alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 122

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 17 أغسطس 2026
وهم الانتصار... عندما تصبح الهزيمة عقيدة
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 19 أغسطس 2026
بين الاعتداءات والاتهامات.. مأزق المقاربة الإيرانية تجاه الخليج

قيمة الصبر والمصابرة في ميزان الحسنات

23 مايو 2024 , 10:46م

إن من رتب الدين الرفيعة ومقاماته العالية وقيمه السامية، قيمة الصبر والمصابرة في سبيل الله تعالى، فالصبر يرتبط بالإيمان ارتباطاً محورياً وجوهرياً، فقد روي عن علي رضي الله عنه قوله: «الصبر من الإيمان بمنزلة الجسد من الرأس، ولا إيمان لمن لا صبر له»، وتكرر ذكر الصبر في القرآن الكريم في مواضع كثيرة جداً، وذلك للدلالة على أهمية هذا الخلق الإيماني والسلوك الإسلامي، كانت معظمها في سياق الحض على الصبر والأمر به، وبعضها في سياق ثناء الله تعالى على الصابرين وما أعده لهم من الأجر العظيم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 155 – 157].
وهذا الصبر الذي طالب الله تعالى به عباده على ثلاثة أنواع، صبرٌ على طاعة الله والالتزام بأوامره والمداومة على عبادته كما أمر، وصبرٌ على اجتناب المعاصي والإقلاع عن الذنوب ومقاومة رغبات النفس الأمارة بالسوء، وصبرٌ على أقدار الله تعالى المؤلمة من المصائب والمحن الدنيوية، والأذى الذي يتعرض له المؤمنون من الكافرين والمنافقين وأعداء الدين. ولذلك جاء الأمر بالصبر والمصابرة على جميع ما ذكر بصيغة عامة في عدة آيات من كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌اصْبِرُوا ‌وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]، وأمر الله تعالى بالاستعانة بالصبر، فقال سبحانه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]، وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌اسْتَعِينُوا ‌بِالصَّبْرِ ‌وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].
إن أداء عبادة الصبر على أكمل وجه صعبٌ وشاق على النفس البشرية، فالصبر يتطلب الإيمان الصادق واليقين بالله عز وجل، وقبل ذلك كله الاستعانة بالله تعالى على الصبر، فلا صبر لمن لم يصبره الله ! ولأن الصبر يتطلب من العبد صدق الإيمان ومجاهدة النفس، فكان للصبر الأجر العظيم الذي وعد الله به عباده الصابرين في الدنيا والآخرة، وما ذكر في باب أجر الصابرين وثواب الصبر كثير جداً في القرآن الكريم والسنة النبوية، فالصبر طريق لنيل رضا الله عز وجل ومعيته، وكسب الحسنات وتكفير الخطايا والسيئات، قال تعالى: ﴿ إِنَّ ‌اللَّهَ ‌مَعَ ‌الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153]، وقال سبحانه: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ ‌أَجْرَهُمْ ‌بِغَيْرِ ‌حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. والصبر على البلاء خيرٌ للعبد من التذمر والشكوى والسخط، فهو إن صبر كان البلاء له خير في دنياه وآخرته، قال تعالى: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) [النحل: 126]، وقال صلى الله عليه وسلم: « عَجِبْتُ لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ خيرٌ، إن أصابَهُ ما يحبُّ حمدَ اللَّهَ وَكانَ لَهُ خيرٌ، وإن أصابَهُ ما يَكْرَهُ فصبرَ كانَ لَهُ خيرٌ، وليسَ كلُّ أحدٍ أمرُهُ كلُّهُ خيرٌ إلَّا المؤمنُ « (مسلم: 2999)، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه أبو هريرة: « ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِه وولدِه ومالِه حتَّى يلقَى اللهَ تعالَى وما عليه خطيئةٌ « (الترمذي: 2399).
على العبد المسلم أن يعلم أن الصبر هو خير عطاء يمكنه أن يحوزه في حياته ويستعين به على نوائب الدهر، فقد روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: « أنَّ ناسًا مِنَ الأنصارِ سألوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأعطاهم، ثمَّ سألوه فأعطاهم، حتَّى إذا نَفِدَ ما عِندَه قال: ما يكونُ عِندي مِن خيرٍ، فلَنْ أدَّخِرَه عنكم، ومَن يستعفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ عزَّ وجَلَّ، ومَن يَصبِرْ يُصبِّرْه اللهُ، وما أُعْطِيَ أحدٌ عطاءً هو خيرٌ وأوسَعُ مِنَ الصَّبرِ « (النسائي: 2587).
إن فضيلة الصبر تحيط المسلم بمنافعها في دنياه وآخرته، فبالصبر يخف المصاب ويهون الخطب، بينما يشتد بالجزع الكرب، ويعظم الهمّ والغم بالسخط والتذمر. وبالصبر يعظم الأجر والثواب، بينما يحبط الأجر بالجزع وربما يحل العقاب. ويجب على المسلم أن يوقن بالفرج بعد الكرب ويحسن الظن بالله تعالى، فيصبر ويتصبر، فهو بقوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) [الشرح:٥-٦]. فالصبر ضرورة ملحة في حياة المسلم في كل عمل من أعماله، فلا طاقة للعبد على المداومة على طاعة الله تعالى واجتناب نواهيه وتحمل الآلام والصعاب إلا بهذه الخصلة العظيمة، ولنا في أيامنا هذه في إخواننا أهل غزة خير مثلٍ ونموذج واقعي يتجلى فيه الصبر بأعظم معانيه وأسمى صوره. فنسأل الله تعالى أن يعينهم ويصبرهم ويفرج كربهم وينصرهم على عدوهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

من أمانة الاستخلاف في الأرض إلى سنن السقوط.. الحضارة الإنسانية في دعوة الأنبياء والمرسلين

الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «4-4».. شهادة شخصية عن علاقة الشيخ حمد بالعلم والعلماء وأهل الفكر

لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «3-4».. السياسة الخارجية القَطرية بين الوساطة.. ودعم قضايا الشعوب

مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «2-4».. اهتمام فقيد الوطن الكبير بتاريخ الأمة العربية والإسلامية وسير القادة والمصلحين

لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «1-4».. دراسة سيرة القادة.. قراءة في تجارب الأوطان

حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...

دعوة إبراهيم عليه السلام إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...

الشيخ اليمني محمّد بن إسماعيل العمرانيّ العالِم المربي والقاضي المصلح

يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (6-6).. الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله).. صفاته ومرضه ورحيله

تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (5-6).. الشيخ مصطفى السباعي وموقفه من الاستشراق والمستشرقين

يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (4-6).. الشيخ مصطفى السباعي.. وجهوده في الدفاع عن السُّنَّة النبوية

كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (3-6).. الشيخ مصطفى السباعي وفلسطين: بين الجهاد الميداني وبناء الوعي الدعوي

لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (2-6).. الشيخ مصطفى السباعي في الأزهر وميلاد مشروعه الإصلاحي

ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...