


عدد المقالات 356
لم يبقَ ما لم تصوّره لنا عدسات الشعراء، لقد وصفت لنا المجرّدات والمجسّدات، والذوات المحسوسة والمعاني المستترة المضمرة، ولنا اليوم موقف مع عدسة البحتري وهو يصف غمامةً تلبّدت وأودقت وأغدقت، حتى امتلأ الوادي منها ديماً، فقال: مَسْفوحَةُ الدَّمعِ لِغيرِ وَجْدِ لهَا نَسيمٌ كَنسيمِ الوَردِ جاءَتْ بِها ريحُ الصِّبا مِنْ نَجْدِ فانْتَثرَتْ مِثْلَ انْفِراطِ العِقْدِ كأَّنَّما غُدْرَانُها في الوَهْدِ يَلْعَبْنَ مِنْ حُبَابِها بالنَّردِ عند الفراغ من قراءة مقطوعته التي تنتهي بهذا البيت، وتنتهي معه حبات المطر المتساقطة من الغيمة، نشعر وكأنّنا أمطرنا بعد صلاة استسقاء، حتى إذا نضر الشجر واهتزّت الأرض وربت، وعمّت البشرى وصفت الأجواء، وعادة الشعراء أن يصوّروا المشهد كاملاً ثمّ يقتربوا من أحد جزئياته ومساماته، كما فعل البحتريّ إذ نقل لنا مسيرة الغمامة وكيف ساقتها ريح الصّبا من مكان بعيد. ثمّ وصف هطولها وصفاً رائعاً؛ فشبّه تقاطرها بانفراط العقد الذي كان يضم لؤلؤه وزبرجده وعسجده، إلا أن الشاعر يقترب بنا أكثر فأكثر حتى يطلعنا على مصير القطرات، وأين انتهى بها المطاف، فقد سقطت القطرات الأخيرة من الغمامة على الغدران التي صنعها هطول الغمامة ذاتها في الوهاد، وكانت تشبه، وهي تقع على وجه الماء ثمّ تنفر عنه للأعلى وتعود إلى التلاشي فيه، رمية النرد، وحركة الحجارة فوق الطاولة، فيا لروعته من وصف كأنّنا نعيشه ونقف على ضفة تلك الغدران ونشاهد تساقط تلك القطرات. لقد بدأت عدسة الشاعر بالجملة، ثمّ انتهت إلى التفاصيل، بدأت عن بُعد فشملت كل شيء، وانتهت عن قرب بلا شيء. غمامة تسوقها الرياح، ثمّ هطول وغدران، ثم تحطّم حباتها الأخيرة فوق سطح الماء، وهذا أحد تقنيات التصوير البياني الفائقة.
أبدأ حديثي بشهادة لمستشرق شهد بالحق فقال: «ما زالت مؤلفات المسلمين في الجغرافيا تحتل مكانًا مهمًّا حتى يومنا هذا؛ لأن المعلومات التي تتضمنها تزيد في علمنا بالجغرافيا التاريخية المتعلقة بالبلدان التي تناولتها هذه المؤلفات، وبناءً...
إن الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...
في الوقت الذي لم يكن فيه للحيوان أيُّ نصيب من الرفق، وفي الوقت الذي كانت بعضُ الأمم تتخذه وسيلةَ لهوٍ في مناسباتها وطقوسها، ظهرت الحضارة الإسلامية التي جاءت رحمةً للعالمين، وظهرت بثوبٍ ربانيّ لم تلبِسْه...
اسم الله الحميد، اسم عظيم، تلهج به الألسنة في الغدو والإبكار، ويتسيَّدُ التسابيح والأَذكار، وإذا كان قوله تعالى «اِقْرَأ» هو الكلمة الأولى وحيًا وتنزيلًا، فإنَّ كلمة «الحمد» هي الأولى تلاوةً وترتيلًا، فنحن على موعد لا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأة شاهدة على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعة أحداثها، ورافعة عمادها، بمشاركة الرجل، وهي سر الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدت نصفه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
حاضرة عظيمة مقدسة، خلق الله منها الأرض ومنها دحيت، هي أم الدنيا بحواضرها ومدنها وقراها وكل ناحية فيها، هي العاصمة العالمية للأرض، وهي أم الثقافات الإنسانية جميعا، وما فيها من تراث معنوي ومادي، إنها المكان...
إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...
كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ...
هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...
هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...