alsharq

د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر

عدد المقالات 17

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 16 سبتمبر 2026
تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

إستراتيجية الخروج: آليات اتخاذ القرار ومنطق الفوضى

11 مايو 2026 , 10:18م

تكشف الحرب الأمريكية– الإسرائيلية على إيران عن واحدة من أكثر إشكاليات الصراع تعقيدًا، والمتمثلة في غياب التوافق السياسي حول كيفية إنهاء الحرب ومعنى «النهاية» ذاتها. فجوهر الخلاف لا يقتصر على إدارة العمليات العسكرية، بل يمتد إلى تعريف الانتصار وطبيعة النظام الإقليمي الذي يُفترض أن يتشكل عقب انتهاء المواجهة. 
ففي حين تسعى الولايات المتحدة إلى احتواء النفوذ الإيراني ومنع تحوله إلى تهديد أوسع دون الانجرار إلى حرب إقليمية شاملة، تركز إسرائيل على إعادة ترميم قوة الردع وإضعاف البنية الإستراتيجية الإيرانية على المدى الطويل، أما إيران فتنظر إلى «إنهاء الحرب» باعتباره مخرجًا يضمن بقاء النظام، ويحافظ على نفوذه الإقليمي، ويعزز صورته بوصفه طرفًا قادرًا على الصمود في مواجهة الضغوط الخارجية. وتؤدي هذه الرؤى المتباينة إلى إنتاج بيئة إستراتيجية مجزأة تتحرك فيها العمليات العسكرية من دون إطار سياسي مشترك لخفض التصعيد أو تسوية الصراع، بحيث يتحول التصعيد تدريجيًا من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية محددة إلى نمط دائم من إدارة المخاطر والتعايش مع حالة مستمرة من عدم اليقين.
ويعكس هذا المشهد المضطرب طبيعة البيئة التي تُصاغ ضمنها القرارات السياسية والعسكرية أثناء الحروب، حيث نادرًا ما يمتلك صانعو القرار صورة مكتملة أو يقينًا واضحًا بمآلات التصعيد. ففي ظل ما يُعرف بـ «ضباب الحرب»، تتحرك القيادات داخل بيئة إستراتيجية تتسم بالغموض، وتضارب المعلومات، واحتمالات سوء التقدير، الأمر الذي يجعل القرارات تُبنى على تقديرات واحتمالات بقدر ما تستند إلى حقائق مؤكدة. ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم السلوكيات المتناقضة التي تتبناها الدول خلال الأزمات بوصفها مجرد ارتباك عشوائي، بل باعتبارها انعكاسًا لمنطق العقلانية المقيّدة، حيث تُفسر التهديدات عبر عدسات متعددة تتداخل فيها الحسابات المؤسسية، والالتزامات التحالفية، والضغوط السياسية الداخلية، إلى جانب هواجس فقدان المصداقية.
وفي ظل هذه الضغوط المتشابكة، قد يتحول التصعيد إلى خيار يبدو عقلانيًا من منظور صانعي القرار، حتى وإن أسهم في تعميق حالة عدم الاستقرار الإستراتيجي. فالدول لا تتحرك فقط وفق حسابات الكلفة العسكرية المباشرة، بل أيضًا تحت تأثير اعتبارات المصداقية والردع. وقد تلجأ بعض الحكومات إلى تكثيف عملياتها العسكرية بهدف إظهار الحزم، مع الإبقاء في الوقت ذاته على قنوات التفاوض والدبلوماسية مفتوحة لتفادي الانزلاق إلى المواجهة يصعب التحكم بمساراتها. وبهذا، ترتبط ديناميات الصراع بنمط من العقلانية المقيّدة التي تُنتج قرارات تبدو منطقية ضمن الضغوط الآنية لكل طرف، لكنها تدفع البيئة الإقليمية تدريجيًا نحو مزيد من الضبابية، وتفاقم احتمالات سوء التقدير الذي يحكم مسار الحرب.
وينبع منطق الفوضى من إشكالية جوهرية تتمثل في غياب الأهداف الواضحة والإطار السياسي المشترك، القادر على تحديد شكل النهاية الممكنة للحرب وحدودها. ونتيجة لذلك، تتحول العمليات العسكرية تدريجيًا من أدوات يُفترض أن تعزز الأمن والاستقرار إلى عوامل تُعيد إنتاج انعدام الأمن وتوسع نطاق عدم اليقين بين الأطراف. ويغدو التصعيد عملية ذاتية التعزيز، إذ يعتقد كل طرف أن زيادة الضغط العسكري أو السياسي قد تمنحه موقعًا تفاوضيًا أكثر قوة قبل الوصول إلى أي تسوية محتملة.
ومن هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع «إستراتيجية الخروج» باعتبارها مرحلة تلي الحرب أو مسارًا منفصلًا عنها، بل بوصفها جزءًا بنيويًا من ديناميات الصراع ذاته، فالمواجهة القائمة تمتد إلى التنافس على المعنى السياسي لنهاية الحرب. ولهذا، يتحول التصعيد العسكري إلى أداة للمساومة القسرية، يسعى كل طرف عبرها إلى تعزيز موقعه التفاوضي قبل أي وقف محتمل لإطلاق النار أو تسوية دبلوماسية. وتكشف هذه الحرب أن الفوضى المصاحبة لها لا تمثل انحرافًا عن مسارها، بل تُعد نتيجة مباشرة لتصادم رؤى متنافسة حول كيفية إنهائها، ومن يملك حق تعريف «النهاية» ذاتها.

بين صندوق القتل وطاولة التفاوض

خلف مصطلح صندوق القتل، بصيغته التقنية المتداولة في أدبيات العمليات العسكرية، تبرز مسألة سياسية تتجاوز حدود الإجراء الميداني إلى سؤال أعمق يتعلق بسلطة تعريف المكان وحدود استخدام القوة، من يملك حق رسم نطاق جغرافي يتحول،...

حين تتصارع الأجندات: من يدفع بالأزمة نحو نقطة اللاعودة

بين تراجع الاستقرار واحتمال المواجهة، تتشكل مرحلة هي الأكثر حساسية في مسار الأزمات الدولية، لحظة تتصاعد فيها حدة التوتر، وتترقب العواصم التحركات، فيما يظل قرار المواجهة مؤجلًا. تمثل هذه المساحة الفاصلة المرحلة الواقعة بين الاستقرار...

التفاوض بلا طاولة: دبلوماسية الصمت في إدارة الأزمات

ليست كل المفاوضات بحاجة إلى طاولة تجمع أطرافها، كما أن غياب الإعلان الرسمي عنها لا يعني بالضرورة توقف قنوات التفاهم والتفاوض، ففي بعض الأزمات، قد تصل الدول إلى مرحلة تصبح فيها حاجتها إلى الحوار أكبر...

الردع المفقود: مأزق القوة في مواجهة الوكلاء

يقوم الردع، في مفهومه الكلاسيكي، على ثلاثة افتراضات رئيسية: وضوح هوية الفاعل، وإمكانية إسناد المسؤولية عن الفعل العدائي إليه، وقدرة التهديد بالعقاب من خلال الوصول إلى الطرف الذي يمتلك سلطة اتخاذ القرار، ولكن حروب الوكالة...

الانتصار الذي لا يصنع نصراً.. فخ النجاح التكتيكي

نادراً ما تبدأ الهزيمة في هيئة هزيمة، فقد ترتدي أحياناً ملامح الانتصار، فالنجاح في لحظة المواجهة لا يكشف بالضرورة عن المسار الذي ستقود إليه نتائجه. فالدولة قد تدمر هدفاً، أو تفرض حصاراً، أو تستنزف خصمها،...

الحرب التي لا يريدها أحد: مفارقة الحسابات الخاطئة

تبدو الأزمة الأمريكية– الإيرانية للوهلة الأولى وكأنها مفارقة يصعب تفسيرها: كيف يستمر التصعيد بين طرفين يدركان كلفة الحرب، ولا يبدو أن أياً منهما يسعى إلى مواجهة شاملة؟ لا تكمن الإجابة بالضرورة في غياب العقلانية، بل...

الوساطة الشبكية وإدارة الأزمات: لماذا لم يعد نموذج الوسيط الواحد كافياً؟

الصراع لا يبقى أسير لحظة اندلاعه، بل يعيد تشكيل نفسه مع كل مرحلة جديدة من التصعيد، فيضيف أطرافًا وملفاتٍ وحساباتٍ لم تكن جزءًا من بدايته، ومع كل مستوى جديد من التصعيد الرأسي الذي يرفع حدة...

عندما تصبح القوة غير قابلة للاستخدام

تقوم إحدى المفارقات في العلاقات الدولية على أن القوة تبلغ أحيانًا ذروة تأثيرها عندما لا تستخدم، فالدول تسعى باستمرار إلى تعظيم قدراتها العسكرية، والاقتصادية، والتكنولوجية، اعتقادًا بأن امتلاكها يمنحها حرية أوسع في التأثير وصناعة القرار....

التوقيع ليس النهاية: اختبار الالتزام والامتثال في الاتفاق الأمريكي - الإيراني

لا يتمثل التحدي الحقيقي لأي اتفاق أمريكي–إيراني في مجرد الجلوس إلى طاولة المفاوضات أو التوصل إلى تفاهم دبلوماسي يرضي الطرفين، بل في القدرة على تحويل ما يدون في نصوص الاتفاق إلى سلوك سياسي فعلي، فغالبًا...

حافة الهاوية: إدارة الصراع في المنطقة الرمادية

في المشهد الدولي الراهن، لم تعد سياسة حافة الهاوية مرادفًا للاقتراب من الحرب فحسب، بل أصبحت أسلوبًا متكاملًا لإدارة التنافس بين القوى المتصارعة، فالدول لم تعد تسعى بالضرورة إلى خوض الحروب، وإنما إلى توظيف الضغوط...

من الصراع الصفري إلى الرابح - الرابح.. حدود التسوية في المواجهة الأمريكية - الإيرانية

رغم الجاذبية النظرية التي يتمتع بها مفهوم «الرابح-الرابح»، فإن تطبيقه يصبح أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بصراعات ترتبط بالأمن القومي وتوازنات القوة، حيث لا تقاس المكاسب بما يتحقق من منافع فقط، بل بما يحافظ عليه...

القوة الناعمة بين منطق الوساطة وحسابات الهيمنة

أصبحت القوة الناعمة أكثر من مجرد أداة لتحسين الصورة أو تعزيز الحضور الدبلوماسي، بل غدت جزءًا أساسيًا من معادلة النفوذ وإدارة الصراع في المنطقة، فمع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، برزت الوساطة، والدبلوماسية، وإدارة...