


عدد المقالات 336
في خطوة ربما غير مسبوقة وغير معهودة، قامت كلية الشريعة في جامعة قطر باستضافة عدد كبير من ممثلي المؤسسات الفاعلة في المجتمع القطري للتشاور معهم في رسم معالم خطة تطويرية شاملة لبرامج كلية الشريعة ومناهجها التربوية والتعليمية، بعد أن مهّدت لذلك بزيارات مكثفة لتلك المؤسسات. الخطوة -بكل تأكيد- تعبّر عن رؤية واعية لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الجامعة والمجتمع؛ فالجامعة -وهي السقف الأعلى للتعليم المعاصر- تحتضن أبناء المجتمع وبناته لسنوات عديدة، لتدفع بهم من جديد نحو المجتمع ليمارسوا دورهم المنشود، بعد أن عملت على تكوينهم معرفياً وسلوكياً ومهارياً. إن المجتمع من حقه إذاً أن يعرف بالضبط ما الذي يجري في قاعات الدراسة، وما المعلومات التي يتم تزويد أبنائه وبناته بها، وما السياسات والبرامج والمناهج التي يتم اعتمادها في تكوين شخصية الطلاب والطالبات، وما الصورة الكلية لهؤلاء الخريجين. في المقابل، فإن المجتمع عليه مسؤوليات كبيرة في هذا المجال؛ فالطالب لا يمكن أن يتكون في الجامعة بمعزل عن المجتمع، وأخطر ما يمكن تصوّره في هذا المجال أن يأتي الطالب بثقافات ومفاهيم تتصادم مع رسالة الجامعة ودورها المنشود، هنا تجد الجامعة نفسها أمام معضلة حقيقية، وفي كثير من الأحيان يكون المعلم أو الأستاذ عاجزاً عن تغيير هذه المفاهيم الخاطئة والمتراكمة عند الطالب، والتي ربما أصبحت جزءاً من شخصيته وتكوينه. أذكر من المفارقات الغريبة أنه كان لدينا اختبار نهائي في الأول من رمضان في إحدى السنوات، وكانت المادة ثقافة إسلامية، وكانت الأجواء الإيمانية في أوجها، لكني صُدمت حينما اكتشفت ثلاثة طلاب متلبسين بالغش وهم صائمون! حقيقة، أنا تركت المسألة الرسمية والقانونية، واجتهدت مع هؤلاء الطلاب لأفهم منهم هذا اللغز؛ كيف يجمعون بين الصوم وبين الغش في وقت واحد، كيف يكتبون آيات القرآن الكريم على تلك القصاصات الصغيرة المستعملة في الغش ثم يذهبون مساء لصلاة التراويح والتقرب إلى الله بتلاوة القرآن أو بسماعه؟ صحيح أن هذه ليست ظاهرة، لكنها موجودة، وهي خطيرة حتى لو كانت قليلة أو نادرة، والأخطر لو وجد هؤلاء من يدافع عنهم من أهلهم ومعارفهم. هناك غش من نوع آخر، فقد حدّثني أحد الزملاء الأفاضل بأن عشرة طلاب غابوا عن الاختبار النهائي عنده في وقت واحد، ثم جاؤوا كلهم بأعذارهم الطبية المختومة والموثّقة! وهناك أيضاً بعض المكاتب التجارية التي تقوم بكتابة البحوث والواجبات للطلاب مقابل أجور معينة ومعلنة؛ مما يعني أن هذه المكاتب تعمل بجو مريح وآمن، مع أنها تقوم بقتل الكفاءات الوطنية قبل أن تُولد، حتى اضطُر كثير من الأساتذة لرفض البحوث المكتوبة إلا بعد أن يعرضها الطالب ويناقشها داخل الصف. إن هذه الممارسات بمجموعها تنم بشكل واضح عن ثقافة خاطئة يجب أن يتنادى المجتمع بكل مؤسساته لمكافحتها؛ لأن المجتمع أولاً وأخيراً هو الذي سيدفع الثمن؛ فالغش في الواجبات وفي أوراق الاختبارات سنراه في مجالات الحياة المختلفة؛ في أطبائنا، ومهندسينا، وقضاتنا، وخطبائنا، ومعلمينا، سنراه في كل دائرة أو مؤسسة. والجامعة مهما كانت، لا تستطيع أن تصوغ لكم الخريج الذي تريدون ما لم تكونوا أنتم معها، فكونوا معها.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...