

ليس من السهل العثور على مثال أكثر وضوحًا على التناقض في السلوك السياسي من أن تعتدي دولة على دولة أخرى، ثم تطلب منها أن تتوسط لإنقاذها من حرب، قبل أن تعود بعد أشهر لتتهمها باحتجاز جنودها، وتحاول تحويل الملف إلى أداة ضغط وابتزاز سياسي. هذه، باختصار، هي المفارقة التي تختصر السلوك الإيراني في قضية الطيارين.
في الحقيقة، لا يكشف التصعيد الإيراني المتأخر بشأن طيارين يُزعم احتجازهم في قطر عن حرص إنساني مفاجئ، بقدر ما يعكس مناورة لتبديل مواقع المسؤولية. فمن ينتهك أجواء دولة ذات سيادة، ثم يعود بعد أشهر ليطالبها بتفسير مصير أفراد شاركوا في العملية، لا يدافع عن حقوق مواطنيه بقدر ما يحاول الهروب من أصل القضية: الاعتداء العسكري نفسه.
لماذا الصمت طوال أشهر؟
إذا كانت طهران تملك معلومات مؤكدة عن وجود ثلاثة طيارين إيرانيين أحياء ومحتجزين في قطر، فإن صمتها طوال ستة أشهر لا يمكن التعامل معه بوصفه تأخرًا عابرًا. فالدول التي تفقد عسكريين في عمليات خارج حدودها لا تؤجل متابعة مصيرهم، ولا تواصل اتصالاتها السياسية مع الدولة المعنية من دون إدراج قضيتهم على أجندة الحوار.
لكن غياب الأسماء، وعدم عرض الأدلة، وعدم نشر سجل المراسلات أو الطلبات الرسمية، فضلًا عن عدم تفعيل مسار قانوني أو إنساني واضح، كلها عوامل تثير شكوكًا جدية حول توقيت الادعاء وأهدافه. والسؤال يظل مباشرًا: إذا كانت إيران صادقة في روايتها بشأن هؤلاء الطيارين ومصيرهم، فلماذا لم تطالب بهم منذ اللحظة الأولى؟ وإذا لم تكن تعرف عنهم شيئًا، فعلى ماذا تستند اليوم في اتهامها؟
اعتداء وانتهاك للسيادة
تحاول الرواية الإيرانية اختزال القضية في عنوان إنساني: احتجاز طيارين إيرانيين. لكنها تتجاوز، عمدًا، حقيقة أن هؤلاء الطيارين كانوا جزءًا من عملية عسكرية، وأن وجودهم المفترض في قطر لا يمكن فصله عن الطائرات التي حملتهم، ولا عن المهمة التي كانوا ينفذونها، ولا عن قرار إدخال مقاتلات إلى المجال الجوي لدولة أخرى.
فالطيارون العسكريون ليسوا مدنيين تعرضوا لحادث عرضي، بل عسكريون أُرسلوا ضمن مهمة تنطوي على مخاطر التصعيد والمواجهة. وبالتالي، فإن تحويل تبعات القرارات العسكرية الإيرانية إلى اتهام موجّه ضد الدولة التي دافعت عن سيادتها وحدودها يبتعد عن المنطق السياسي والقانوني.
لا تستطيع إيران أن تبدأ روايتها من لحظة سقوط طائراتها، متجاهلة اللحظة التي عبرت فيها تلك الطائرات حدود الدول المجاورة. كما لا تستطيع أن تتحدث عن «حقوق» طياريها العسكريين بمعزل عن مسؤوليتها عن إرسالهم في مهمة قادتهم إلى هذا المصير.
طلب الوساطة يقابله الاتهام
تتعمق هذه المفارقة عند النظر إلى الدور القطري في إدارة الأزمة. فبحسب المعطيات المتداولة، لم تتخلَّ الدوحة عن قنوات الاتصال مع طهران، بل واصلت أداء دور الوسيط في الاتصالات المتعلقة بالتهدئة وفتح قنوات الحوار مع الولايات المتحدة، على الرغم من أنها كانت، في الوقت نفسه، الطرف الذي تعرض لانتهاك مباشر لسيادته ومرافقه الحيوية.
بعبارة واضحة، استفادت طهران من القنوات القطرية حين احتاجت إلى ممر سياسي نحو واشنطن، وإلى جهود تحدّ من التصعيد وتدعم مسار التفاوض، ثم عادت لتستخدم ملف الطيارين في توجيه اتهام إعلامي وسياسي ضد الدوحة.
ويرسخ هذا السلوك نمطًا انتهازيًا في التعامل مع الجوار: طلب الوساطة عند الحاجة، ثم تشويه صورة الطرف الوسيط أو تحميله المسؤولية عندما يصبح الخطاب التصعيدي حاجة داخلية أو ورقة تفاوضية.
ولا شك في أن الطريقة التي تعاملت بها طهران مع ملف الطيارين خلال الأشهر الماضية كشفت عن ترتيب للأولويات لا يحتل فيه مصير الطيارين موقع الصدارة. فالهدف الأكثر إلحاحًا، وفقًا لما توحي به التحركات السياسية الإيرانية، كان الوصول إلى تفاهم مع واشنطن يوقف الحرب، ويفتح الباب أمام الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ويخفف العقوبات المفروضة عليها. وفي هذا السياق، بدا مصير الطيارين هامشيًا أمام حسابات البقاء السياسي والاقتصادي للنظام.
ولا يتعلق الأمر بمجرد غياب التصريحات ذات الصلة أو تأخر المطالبات، بل بما أُعلن عن عدم تجاوب السلطات الإيرانية مع مساعي تنسيق استلام رفات أحد الطيارين بعد العثور عليه، أو ترتيب إجراءات الاطلاع على تفاصيل عمليات البحث والإنقاذ. وهذا من شأنه أن يقوّض الادعاء الإيراني الذي يحاول إضفاء طابع إنساني على الرواية، أو الإيحاء بأن مصير الطيارين كان أولوية وطنية لدى طهران.
فالدولة الجادة في متابعة مصير جنودها لا تتجاهل فرصة استلام رفات أحدهم، ولا تعزف عن إرسال وفد فني أو عسكري للتدقيق في المعلومات أو المشاركة في إجراءات البحث والإنقاذ. أما التعامل مع هذه المبادرات الدبلوماسية والقانونية بالبرود أو التجاهل، ثم إصدار بيان اتهامي بعد أشهر، فيشير إلى أن ملف الطيارين بقي ورقة مؤجلة إلى حين ظهور حاجة سياسية لاستخدامه.
الهروب من المسؤولية الشعبية
يمكن قراءة السردية الإيرانية في إطار محاولة لاحتواء ضغوط الرأي العام الداخلي، أكثر من كونها محاولة حقيقية للوصول إلى الوقائع أو معرفة مصير الأفراد المعنيين. فبدلًا من أن تشرح السلطات الإيرانية لشعبها كيف أُرسل هؤلاء الطيارون إلى عملية شديدة الخطورة، وأسباب تأخر البحث في مصيرهم، وعدم الاستفادة من القنوات المتاحة لمعالجة الملف، تختار نقل مسؤوليتها إلى عاتق قطر.
بهذه الطريقة، تسعى طهران إلى بناء مخرج دعائي يقوم على الإيحاء بأنها لاحقت القضية باستمرار، وأن الطرف الآخر هو من عرقل الحل. وبالتالي، فإن استدعاء الملف الآن، بعد أشهر من الصمت وعدم التجاوب مع المبادرات المتعلقة بالبحث والإنقاذ أو استلام الرفات، يبدو أقرب إلى مسعى لإنقاذ صورة المسؤولين أمام الرأي العام الإيراني عمومًا، وعائلات الطيارين خصوصًا، وتغطية تبعات مغامرة عسكرية متهورة.
وهنا تكمن القسوة الحقيقية في هذا السلوك السياسي البعيد عن مقتضيات حسن الجوار والاعتبارات الإنسانية: أن يتحول من يعتقد أنه يدافع عن وطنه، ويُرسل إلى مهمة عسكرية محفوفة بالمخاطر، إلى مجرد ورقة في حسابات التفاوض، ثم تُستخدم قضيته لاحقًا لتغطية إخفاق سياسي وعسكري لم تبدأ فصوله في قطر، بل بقرار إيراني بالاعتداء.
هذه الحادثة، إلى جانب شواهد أخرى سابقة، تكشف عن أزمة تتجاوز الوقائع المباشرة وتمس طبيعة العلاقة التي تحاول دولة قطر ودول الخليج عمومًا بناءها مع إيران منذ عقود. فعلى الرغم من الجهود المتكررة لوقف الحروب واحتواء التصعيد وفتح قنوات التهدئة وتوفير مسارات للحوار والتفاوض، فإن هذه المبادرات كثيرًا ما تصطدم بسلوك إيراني لا يعزز الثقة. إذ تُستدعى الوساطات الخليجية عند الحاجة إلى مخرج سياسي، ثم تتكرر ممارسات تهدد أمن دول الخليج أو تمس سيادتها، بما يخلق شعورًا متزايدًا بأن الانفتاح الخليجي لا يقابله التزام إيراني مماثل بقواعد حسن الجوار.
واستمرار هذا النمط لا يفاقم الأزمات الآنية فحسب، بل يراكم أزمة ثقة عميقة في التعامل مع النظام الإيراني وإمكان التعايش معه ضمن نظام إقليمي مستقر. فالثقة لا تُبنى بالتصريحات والزيارات، وإنما بسلوك سياسي يحترم السيادة، ويحد من التهديدات، ويؤسس لعلاقات يمكن التنبؤ بها.
وكل اعتداء جديد، أو اتهام يتنصل من المسؤولية، أو ممارسة تزعزع الثقة، يهدم جزءًا من الرصيد السياسي الذي تراكم عبر سنوات من الوساطة والانفتاح.
المشكلة، في النهاية، ليست في غياب المبادرات الخليجية لتهدئة التصعيد مع إيران، بل في غياب إرادة إيرانية مقابلة لبناء منظومة إقليمية مستقرة تقوم على مبادئ التعايش السلمي وحسن الجوار. وإذا كانت طهران تريد من جيرانها أن يكونوا وسطاء عندما تحتاج إليهم، فعليها أولًا أن تتعلم كيف تعاملهم بوصفهم جيرانًا عندما لا تحتاج إلى وساطتهم.
كنت أسأل نفسي كثيرًا: لماذا أحبّ أبي، وقبله جدّي، جمال عبد الناصر إلى ذلك الحد، رحمهم الله جميعًا، حتى إن صورته ظلّت معلّقة لمدة طويلة في مجلس بيت العائلة القديم، رغم الانكسارات القاسية التي ارتبطت...
يستحق تقرير (اتفاق مكة للدفاع المشترك: تحولات القوة ومستقبل الأمن الإقليمي)، تقديرًا خاصًا، ليس فقط لأنه يضع قضية استراتيجية شديدة الحساسية في صلب النقاش، بل لأنه يأتي في لحظة تتغير فيها قواعد القوة في المنطقة...
من المعضلات التي يعيشها النظام الإيراني اليوم، في أن الكثير من أنصاره يعتقدون أن مجرد استمرار النظام وعدم سقوطه يعني أنه انتصر. لكن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فالحروب لا تُقاس بمن بقي واقفًا، بل...
لا ينبغي النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه مجرد اتفاق عسكري جديد يُضاف إلى منطقة مثقلة أصلًا بالتحالفات والتفاهمات والبيانات المشتركة. أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في بنوده، بل فيما...
بينما هيمنت الحرب ضد إيران، ومستقبل برنامجها النووي، وآفاق الصراع في الشرق الأوسط على معظم النقاشات التي شاركت فيها خلال الأيام الماضية مع باحثين وخبراء في عدد من مراكز الدراسات الأمريكية في واشنطن، برز ملف...
قبل أكثر من قرن ونصف، افتتح تشارلز ديكنز روايته الأجمل (حكاية مدينتين) بجملته الشهيرة التي أصبحت واحدة من أشهر افتتاحيات الأدب العالمي (كان أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة)، لم تكن الرواية مجرد قصة تدور بين...
خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق...
تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك...
لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك. وما إن...
مع استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتعثّر الهدنة، وانسداد أفق المفاوضات، يعود لبنان مجدداً إلى خط النار، وكأن عليه أن يواجه في كل مرة ثمن حروب المنطقة. فما إن تهتز التوازنات الإقليمية حتى يتحول هذا...
ليست كرة القدم مجرد رياضة يتابعها مليارات البشر، ولا مجرد منافسة تنتهي بتتويج فريق وخسارة آخر. إنها في أحد وجوهها العميقة، مختبر إنساني هائل لاختبار أفكار السلطة والعدالة والهوية والذاكرة والتنافس. بطولة كأس العالم لا...
لا يغادر الدنيا القادة العظام يوم تتوقف قلوبهم عن النبض، بل يوم تتوقف الأمم عن استحضار أفكارهم. أما أولئك الذين ينجحون في تغيير مسار التاريخ، وإعادة تعريف أوطانهم، فإنهم يغادرون الحياة بأجسادهم فقط، بينما تبقى...