


عدد المقالات 336
بداية هناك خلط بين مصطلح التكفير وبين معرفة الكفر وتمييزه عن الإيمان، وقد رأيت الكثير ممن يتوسع في التكفير ظناً منه أن هذا من دلائل الإيمان، حيث إن الأشياء إنما تعرف بأضدادها، ومن هنا تقابل دعوات الحد من ظاهرة التكفير بنوع من الاستهجان والشك وكأنها محاولة مقصودة أو غير مقصودة لتمييع الحواجز بين الإيمان والكفر. إن تمييز الإيمان عن الكفر ضرورة إيمانية وضرورة معرفية أيضا فعبادة الله ليست كعبادة الأصنام، والتوحيد ليس كالتثليث، ومحمد –عليه الصلاة والسلام- ليس كمسيلمة الكذاب، وهكذا، لكن التكفير غير هذا، إذ هو الحكم على شخص معين أو أكثر بخروجه من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر، وهذا الحكم تنبني عليه أحكام أخرى تمس حياة المحكوم عليه وعلاقته بأسرته ومجتمعه، وهذا الحكم يصدره القاضي بعد محاكمة علنية ومحاججة واستتابة، وهو ما لم يحصل في تاريخنا الإسلامي إلا قليلاً. اليوم دخلت مجموعات من الشباب المتدين فيما يمكن تسميته بفوضى التكفير، وقد ازدادت هذه الظاهرة خطورة مع انفلات الأمن في بعض البلاد الإسلامية كأفغانستان والعراق وسوريا والصومال وغيرها، وتمكن هؤلاء الشباب من امتلاك السلاح، فصرت ترى البيانات عن قتل فلان المرتد وفلان الكافر أو المنافق، مما يعني أن هذه الظاهرة باتت تشكل خطراً مضافاً على أمن المجتمع ووحدته وسلامة أفراده وحرياتهم. لقد بدأت هذه الظاهرة كنوع من الاحتجاج على سلوك الأنظمة الحاكمة وابتعادها عن هوية الأمة وثوابتها وفشلها المركب في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والتربوية، مما ولد حالة من الإحباط واليأس من محاولات الإصلاح الجزئي أو الترقيعي. لجأ الشباب إلى مقولات أيديولوجية عائمة وغير قابلة للقياس مثل مقولة (الإسلام هو الحل) حتى ظن الكثير منهم أننا أول يوم سنعلن فيه الحكم الإسلامي أو الدولة الإسلامية فإن كل مشاكل الأمة ستحل وأنها ستنقلب بضغطة زر واحدة من الفرقة إلى الوحدة ومن الذل إلى العز ومن الظلم إلى العدل وهكذا، والعقبة التي تحول دون تحقيق هذا الحلم إنما هي الحكومات القائمة لا غير، حتى قال أحد المشايخ المعروفين: لو خلّت الحكومات بيننا وبين فلسطين ستة أيام فإننا في اليوم السابع سنصلي في القدس! هذه الطريقة في التفكير قادت بالنتيجة إلى إعلان الحرب بشكل أو بآخر على الحكومات، وكان الشكل الأخطر هو تبني مقولة التكفير كمحاولة لنزع الشرعية الدينية ظناً من هؤلاء الشباب أن الشعوب الإسلامية ستنتفض معهم فور معرفتها بكفر حكوماتها! لكن الصدمة كانت قاسية حيث إن الشعوب لم تكن تعلم شيئاً عن هذه المجادلات أصلاً والتي لم تكن تدور إلا في غرف مظلمة ومساحات ضيقة ومحدودة، تفاجأ الشباب أولاً بمواقف رجال الأمن والجيش والإعلام ثم في شرائح المجتمع الأخرى خاصة القضاة والعلماء، وهكذا وجد الشباب أنفسهم في مواجهة مفتوحة ليس مع الحاكم فقط بل مع كل أجهزة الدولة وموظفيها إلى آخر شرائح المجتمع حتى بائع الصحف المتجول. إن المسألة اليوم قد تجاوزت مشاريع التغيير المسلح على خطورتها إلى حالة من الحقد على المجتمع الذي لم ينهض معهم في مناصرة (الحق ضد الباطل) أو(الإسلام ضد الكفر)، وهذه الحالة النفسية المأزومة هي التي تفسر تهاون هؤلاء في استباحة الدماء وبأدنى ذريعة، فلقتل مسؤول أمني واحد يبيحون لأنفسهم تفجير عمارة سكنية بكل من فيها، أو استهداف المسجد الذي يصلي فيه وإن كان مليئاً بالمصلين، كما حصل بالفعل باستهداف النائب العراقي سلام الزوبعي في المسجد عند صلاة الجمعة وراح ضحية الحادث عشرة من المصلين بينهم خطيب الجمعة عدا الجرحى، وقد قابلت اثنين من الجرحى ورويا لي الحادث بالتفصيل والعهدة عليهما طبعا. وبالانعزال عن العلماء والتشكيك بفتاواهم وتوجيهاتهم راجت ثقافة أخرى يقودها أشخاص أبعد ما يكونون عن التحصيل العلمي والتأصيل الشرعي، وكل بضاعتهم خطابات تعبوية وعاطفية تستغل نزعات التمرد لدى فئات عمرية محددة، ثم ساءت الأمور أكثر بعد سلسلة من الملاحقات والتضييقات الأمنية حتى ظهرت أسماء وهمية لقيادات سرية لا تستطيع أن تعرف شيئاً عن مؤهلاتهم العلمية أو التربوية، ومثال ذلك من لقب نفسه بأمير المؤمنين أبو عمر البغدادي القرشي! والذي قضى بعملية أمنية من قبل القوات الحكومية المدعومة من الطيران الأميركي، ولحد هذه اللحظة هناك خلاف داخل البيئة القريبة من الحدث حول اسمه الحقيقي وشخصيته، وأغلب الشائعات على أنه رجل أمن مستقيل أو مفصول من أيام صدام حسين، وأما خليفته أبو بكر البغدادي فأغلب المعلومات أنه شاب من مواليد 1971 خريج جامعة صدام للعلوم الإسلامية، وسواء صحت هذه المعلومات أم لا فإننا أمام حالة خطيرة حيث تؤخذ البيعة من قبل الشباب لأمير لا يعرفون اسمه ولا وجهه ولا مؤهلاته، ثم هم ملزمون بالسمع له والطاعة، ومن يسأل أو يتردد أو يخالف فقد نكث البيعة وخلع ربقة الإسلام من عنقه! ووفق هذه المعادلة الضبابية والمعقدة فلا شك أن إمكانية الاختراق واردة جدا، وهناك أكثر من مؤشر على حصول حالات اختراق فعلية لاسيَّما من المخابرات الإيرانية، حيث يتناقل الناس في العراق قصصاً كثيرة بهذا الشأن، فقد أشيع مثلا أن الذي كان يفتي بذبح علماء السنّة هو رجل شيعي من أهل النجف! وقد حدثني رجل من أهل الفلوجة أن ابن عمه كان قد تورط مع هؤلاء وقد جرح في إحدى العمليات ثم كانت صدمته حينما أخذوه للعلاج في مدينة المحمرة (خرمشهر)، وهناك حوادث كبيرة وذات دلالات أبعد ومنها تدخلهم بإطلاق سراح القنصل الإيراني في العراق بعد أن تم أسره من قبل الجيش الإسلامي، وكل هذه المؤشرات قد تجيبنا على سؤال: لماذا استهدفوا السعودية والأردن واليمن ومصر بعشرات العمليات ولم يغلطوا مرة واحدة مع إيران؟ وإذا كانت إيران قد تمكنت بالفعل من اختراقهم، فما الذي يمنع من اختراقات أخرى ومن جهات إقليمية أو دولية؟ إننا إذاً لا نناقش التكفير كظاهرة من ظواهر التطرف الفكري فحسب، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى حالة من الاختراق الخطير سياسياً وأمنياً ومجتمعياً، والواجب يتطلب أن تتضافر الجهود لتطويق هذا الاختراق، حماية لمجتمعاتنا وتحصيناً لشبابنا، بل ولمعالجة هذه الظاهرة من داخلها أيضا، فهم أولا وأخيرا أبناؤنا وفلذات أكبادنا، وإنما دفعهم لهذا السلوك ضعف في بنية المجتمع الثقافية والتربوية وإخفاقات بائسة ومتكررة في مختلف المجالات، والحل إنما يبدأ بفتح المجال لتساؤلاتهم وهواجسهم والإجابة عنها بكل موضوعية وشفافية كما فعل علي بن أبي طالب مع أسلافهم بعد أن كفروه وحملوا عليه السلاح فأرسل إليهم حبر الأمة عبدالله بن عباس فرجع منهم نحو ألفين في مناظرة واحدة، ومن الجدير ذكره هنا أن مناظرة ابن عباس كلها كانت تدور حول الحكم والجهاد والمفاوضات السياسية، وهي ذاتها مدار النقاش أو الجدال اليوم!
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...