


عدد المقالات 336
هناك مقولات حلّت في ثقافاتنا الدينية محل الحقائق والمعتقدات المسلّمة، ومن هذه المقولات: أن الإسلام دين فيه كل شيء من الذرّة إلى المجرّة، وأذكر أن أحد الوعّاظ كان يحكي أن «المستر كوك» -وهو أحد وجوه الاحتلال البريطاني الأول للعراق- وقف أمام أحد الشيوخ وسأله: أنتم تقولون إن القرآن فيه كل شيء، فأين أجد اسمي في القرآن؟ قال تجده في الآية الأخيرة من سورة الجمعة {وتركوك قائماً}، وإن كانت هذه نكتة أو طرفة، فهي اليوم تمثّل نهجاً متبعاً وثقافة شائعة. إن الغيرة على الدين والتحفّز للدفاع عنه من الصفات المحمودة والأمور المطلوبة، لكن ينبغي أن يكون ذلك بعلم ووعي وإلا كانت النتيجة معكوسة، فإذا تحدّثت مثلاً عن طب نبوي أو إسلامي أو إلهي -وهي كلها بمعنى- فينبغي عليك أن تتنبّه إلى نقطتين اثنتين.. الأولى: أن يكون عندك ما تثبته علمياً، ولا يكفي هنا الإيمان المطلق، فعلم الطب له أركانه وقواعده وتفصيلاته، كالتشخيص وما وصل إليه من مختبرات التحليل المتطوّرة وأجهزة الأشعة المتنوّعة، ثم العلاج بالأدوية التي تشمل كل الأمراض المعروفة تقريباً على سبيل الاستقراء وتقدير الجرعات والآثار الجانبية وما إلى ذلك، ثم يأتي التدخّل الجراحي والعمليات الصغرى والكبرى وطرائق التخدير، وقبل كل ذلك ما يُعرف اليوم بالطب الوقائي... إلخ. فهل تستطيع يا أخي أن تستحضر من النصوص القرآنية والنبوية ما يغطّي لك كل هذه الأركان ويجيبك عن كل هذه التفاصيل؟ الثانية: أن يكون عندك ما يُثبت تفوّق الطب الإلهي على الطب الإنساني من كل النواحي، فالطب الإلهي لو كان موجوداً بالفعل، لكان طباً شاملاً كاملاً ولا يمكن أن يحوجك إلى غيره، فانظر إلى مشايخنا ووعّاظنا، حتى أولئك المهتمين بالإعجاز العلمي أو الطبّي، كيف يترددون على مؤسسات الطب الحديث كما يتردد غيرهم، ولا يكتفون بما عندهم من آيات وأحاديث؟ كيف نتحدّث عن طب إلهي ثم لا نذكر إلا الحجامة وشربة العسل والحبة السوداء ونحو هذا، بينما يتحدث الطب الإنساني عن أدق التفاصيل العلمية في كل جزئية من زوايا الطب، من تكوين الخلية حتى زراعة القلب والكبد والكلى وجراحة المخ والأعصاب... إلخ. الحقيقة أن القرآن ليس كتاباً في الطب، كما أنه ليس كتاباً في الفيزياء ولا الكيمياء، ولا الفلك ولا اللغات ولا التاريخ ولا الجغرافيا ولا الصناعة ولا الزراعة، القرآن ليس مكتبة علمية ولا جامعة أو كلية.. القرآن كتاب هداية وعقيدة وشريعة وأخلاق، وما ورد فيه من شذرات وإشارات في أي علم من هذه العلوم فإنما يؤخذ بسياقه ومقصده، دون تحميله فوق ما يحتمل، ودون أن نجعله بديلاً عن العلوم البشرية التي تنمو وتتطور مع الأيام، فهذه العلوم أقرب إلى تحقيق المقاصد القرآنية، ومن ثَمّ فلو سألني مريض عن الطب الإسلامي الذي يرتضيه الإسلام لمراجعة المرضى لما ترددتُ في إرشاده إلى المؤسسات الطبية المعتمدة، وليس إلى بيوت الوعّاظ والمشايخ. وقديماً قال علماؤنا المحققون: حيثما كانت المصلحة فثَمّ شرع الله. وأما جعل الإسلام في كفّة والعلوم الإنسانية في كفّة أخرى فهذا جهل بالإسلام وتغرير بالإنسان.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...