alsharq

د. محمد عياش الكبيسي

عدد المقالات 336

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 16 يونيو 2026
الأساطير السياسية: صناعة الوهم في مواجهة الحقيقة
د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر 15 يونيو 2026
التوقيع ليس النهاية: اختبار الالتزام والامتثال في الاتفاق الأمريكي - الإيراني
فالح بن حسين الهاجري - رئيس التحرير 15 يونيو 2026
مدرجات أمريكا.. العنابي يكتب التاريخ من قلب «سانتا كلارا»

المسلمون والمشاركة في حكومة غير إسلامية (2-3)

16 أكتوبر 2012 , 12:00ص

تستند الفكرة التي تحرم على المسلمين المشاركة في حكومة غير إسلامية على نوعين من الأدلة النصية، الأول يتناول الحاكمين وأبرز نص فيه قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة:44)، والثاني يتناول «المحكومين» وأبرز نص فيه قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء:65). ومع أن الآية الأولى نزلت في اليهود بيد أن قاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) تجعل المسلمين يدخلون في الحكم إذا فعلوا ما فعله اليهود في تركهم للحكم بما أنزل الله، لكن القدر المتفق عليه عند المفسرين في تنزيل الحكم بالكفر على الحاكم هو في حالة كون الحاكم جاحدا لحكم الله أو مستخفا به، أما إذا كان ضعيفا أو جاهلا أو ممن يغلبه الهوى والشهوة فالأرجح عندهم أنه عاص وآثم وليس بكافر. أما الآية الثانية فهي صريحة في نفي الإيمان عمن يرفض الاحتكام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن هذا الرفض لا يعني إلا رفض الإسلام، أما من يرفض الاحتكام لغيره من الحكام والقضاة مع إقراره بحكم الله فلا ينطبق عليه الحكم، ولذلك لم يكفر الذين خرجوا على الخليفتين الراشدين عثمان وعلي. في الآيتين تقرير واضح لما ينبغي أن يكون عليه سلوك المسلم حاكما أو محكوما، فطالما أنه اختار الإسلام دينا له فليس له إلا أن يعلن خضوعه واستسلامه الكامل لكل أحكامه وتشريعاته، وهذا هو معنى كلمة «الإسلام»، ولذلك فإننا هنا لا نناقش مسألة هل يجوز للمسلم أن يختار نظاما آخر غير النظام الإسلامي أو لا؟ فهذا الأمر حسمه القرآن بقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (الأحزاب:36)، لكننا نناقش حالات أخرى خارج هذا الخيار تتسم بقدر كبير من التعقيد ومن ذلك: أولا: مسلم يعيش في دولة غير إسلامية، وهذه الدولة لها نظامها ومؤسساتها المختلفة، فما الخيارات المتاحة أمام هذا المسلم؟ هل يلتزم بهذا النظام ويتعامل معه أو يرفضه ويتمرد عليه؟ إن الأقليات الإسلامية في العالم ليست بالخيار بين نظام إسلامي وآخر غير إسلامي، بل هي بالخيار بين أن تلتزم بنظام الدولة القائم وتتفاعل معه بإيجابية وتحاول بجد أن تجد لنفسها موقعا في هذا النظام يضمن لها قدرا من التأثير للاحتفاظ بهويتها وخصوصيتها، أو أنها تخضع له خضوعا قسريا بقوة القانون دون أن يكون لها حق المدافعة والمطالبة بحقوقها. أذكر هنا حوارا مع أحد الشباب الذي يرى كفر كل من يتحاكم إلى القوانين الوضعية، فقلت له: لو كنت تعيش في لندن مثلا وتعرضت لحالة سرقة أو اعتداء ماذا تفعل؟ قال: أتصل بالشرطة، قلت: لكن الشرطة غير إسلامية والقضاء هو الآخر غير إسلامي، وهذا يعني أنك تحاكمت إلى «الطاغوت» ولم تتحاكم إلى قضاء الله ورسوله! ثانيا: الدولة الإسلامية التي لا تلتزم بتطبيق الشريعة الإسلامية وهي حال أغلب الدول الإسلامية اليوم، كيف يعيش المسلمون في هذه الدول؟ إن الواجب العيني هو العمل بكل الوسائل المشروعة وكل بحسب طاقته وتخصصه على إعادة النظام الإسلامي، إذ ليس من المقبول ولا من المفهوم أن يفرض على المسلمين نظام يخالف معتقداتهم وقناعاتهم، ومن الواضح أن كثيرا من أشكال الصراع بين الأنظمة الحاكمة والجماعات الإسلامية تدور حول هذه النقطة الجوهرية والمفصلية. لكن الحاجة لتغيير النظام أو إصلاحه تقترن بمخاوف كبيرة من انزلاق البلاد نحو الفوضى الشاملة، فإن النظام مهما كان ظالما وفاقدا للشرعية فإنه أفضل بكثير من حالة اللا نظام، كما أن مشاريع التغيير والإصلاح قد تتطلب وقتا طويلا فكيف نتصور حياة الناس طيلة هذه الفترة؟ إن التعامل مع هذه الأنظمة والالتزام بكل ما من شأنه أن يضمن الحد المقبول من أسباب العيش والأمن والتعليم وتوثيق الحقوق يبدو ضرورة لا مناص منها، وهذا ما يستلزم فقها مركبا يجمع بين مشاريع التغيير والإصلاح من ناحية والحفاظ بالوقت ذاته على النظام العام من ناحية أخرى. في التجربة التركية خاض الإسلاميون صراعا سياسيا طويلا مع خصومهم، لكن في كل محطات الصراع كان الإسلاميون أكثر التزاما بالدستور والقانون، وقد سألت واحدا من أبرز منظريهم: كيف توصلتم إلى هذه النظرية المعقدة؟ فقال: إن الدستور هو الوثيقة الأولى في كل دولة، وهو معلن ومتاح للجميع، وبالتالي فمن غير المعقول أن يتضمن أي دستور في أي دولة انتهاكات واضحة لحقوق المواطنين، ولذلك فإن الحكومات الاستبدادية تخشى من شيوع الثقافة الدستورية والقانونية بين الناس، وهذه الثغرة غابت عن الكثير من الإسلاميين خاصة في العالم العربي. ثالثا: وصول الإسلاميين إلى الحكم، وهو ما حصل بالفعل في أكثر من بلد كما في تركيا وتونس ومصر، وهذه الظاهرة لم تحظ بالتحليل والتقويم المناسبين، وهي بقدر ما مثلت تطلعا مشروعا للكثير من الإسلاميين والجماهير المؤيدة لهم راح البعض الآخر من الإسلاميين «المتشددين» يرون فيها مناسبة لإثبات شكوكهم بإسلامية هؤلاء الإسلاميين! إن صورة الحاكم أو «السلطان» في بعض الأذهان ما زالت تلك الصورة التاريخية التي تجمع كل مفردات القوة والهيبة والبطولة، ومن ثم فإنهم يتوقعون من الحاكم المسلم أن يعيد لهم أمجاد المنصور والرشيد وبطولات المعتصم وصلاح الدين، لكنه قد فات هؤلاء أن الإسلاميين اليوم صعدوا على سلم الديمقراطية، والديمقراطية لا مجال فيها لتكرار تلك الصور التاريخية، فالحاكم هو ليس إلا موظفا خاضعا لكل المؤسسات الدستورية والقانونية، فالذي يحكم حقيقة هو هذه المؤسسات وليس شخص الرئيس مع ما للرئيس من صلاحيات ربما تفوق صلاحيات الآخرين، لكنها ليست بالمستوى الذي يتمكن فيه من تغيير النظام وفق معتقداته وقناعاته. إن الشعوب وهي تتجه يوم الانتخاب إلى صناديق الاقتراع هي التي تقرر شكل الحاكم الذي تريد واسمه وعنوانه، وبالتالي فهي صاحبة السلطة الحقيقية، وهذا هو معنى كلمة «الديمقراطية»، ومن ثم فإن الحريص على تطبيق الشريعة الإسلامية عليه أن يتجه لهذه الشعوب إعلاميا وتربويا وسلوكيا لإقناعها بالمشروع الإسلامي، وهذه مهمة الفقهاء والدعاة قبل «الحكام» حيث سيكون الحاكم مظلة للجميع وهو ملتزم دينا وخلقا وقانونا بالوفاء للصيغة التي أوصلته إلى هذه الوظيفة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، وعليه فإن الإسلامي الذي يقول: أنا ملتزم بالنظام الديمقراطي أو حتى العلماني -كما يصرح رئيس الوزراء التركي- لا يعني أنه قد تنصل عن عقيدته وقناعته الذاتية، كما لا يعني أنه يقول ذلك تقية وخديعة، بل هذا ما يقتضيه العقد الذي أبرمه مع الناس الذين اختاروه لهذه المهمة أو الوظيفة. في القرآن الكريم نموذجان عمليان للتعامل مع الحكومات اللا إسلامية، موسى عليه السلام الذي أرسله الله إلى فرعون، وكان فرعون رمزا للاستبداد {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى}، فلم يكن أمام موسى إلا الهجرة مع قومه، ويوسف عليه السلام الذي أرسله الله لإنقاذ مصر من خطر الجوع والفقر وكان الملك حينها يقبل بنوع من الشراكة والتعدد في الرأي، فدخل يوسف في حكومة الملك ومارس مهمته ولكن في إطار النظام اللا إسلامي، ولم يستثن القرآن إلا حالة واحدة وهي {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ}، وهذه إشارة قوية أنه عليه السلام كان ملتزما بنظام الدولة وهذا هو الوضع الطبيعي والمنطقي. وعليه فإن القرآن الكريم حين يتكلم عن المعتقدات والمبادئ يتكلم بلغة، ولكنه حين يدخل في الميدان وتعقيداته يتكلم بلغة أخرى، والخطابان يتكاملان في صناعة الشخصية الإسلامية المتوازنة، وهذا ما نحتاجه اليوم ونحن نواجه التحديات المركبة سواء تلك التي تهدد معتقداتنا وثوابتنا أو تلك التي تفرض علينا طوقا خانقا من السلبية والانعزال.

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (4-4)

هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (3-4)

المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (2-4)

إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (1-4)

يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...

جريمة نيوزيلندا في إطارها الأوسع

لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...

وقفة مع التجربة الإسلامية في السودان

قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...

خطوات سليمة لبناء مناهج التربية الإسلامية

بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (3-3)

إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (2-3)

من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (1-3)

التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...

حينما تتبرقع الباطنية بشعارات التجديد (2-3)

تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...

حينما تتبرقع الباطنيّة بشعارات التجديد (1-3)

الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...