تساؤلات وتصورات خاطئة عن «تطبيق الشريعة»(3-3)
16 يونيو 2014 , 12:00ص
في الوسط الإسلامي تدور تساؤلات ومناقشات حول إمكانية اتباع سياسة التدرج في تطبيق الشريعة، بين من يرى أن الشريعة نفسها قد جاءت متدرجة بحسب تطور المجتمع المسلم من مكة إلى المدينة ومن حالة الاستضعاف إلى التأسيس ثم التمكين ثم مرحلة الفتح والتوسع، وبين من يرى أن ذلك التدرج كان تدرجاً (سماوياً) لا يحق لأحد أن يكرره حتى لو تكررت تلك المراحل نفسها في مجتمعات أخرى.
الحقيقة أن هذا النمط من التفكير يعد إحدى المشكلات المنهجية والتي قد تعبّر عن تصورات مرتبكة لفلسفة التشريع ومبادئه ومنطلقاته، وقد رأيت من يحاول مثلا بناء استراتيجية العمل الإسلامي اليوم وفق تصنيفات كتب السيرة النبوية لمراحل الدعوة السرية ثم العلنية ثم الهجرة ثم الدولة! ويظن أن الحركة الإسلامية لا بد أن تعيد هذه المسيرة بهذه المراحل ذاتها، ويتطرف آخرون ليلزموا أنفسهم بالمدة الزمنية (الواردة) لكل مرحلة!
مما نقرأه في هذا الصدد أن الرسول صلى الله عليه وسلم مكث ثلاث عشرة سنة لتأسيس العقيدة وبناء النفوس القادرة على تحمل أعباء الدولة، والحقيقة أن هذه المدة لم تكن قراراً في استراتيجية الدعوة، بل هي اضطرار وانتظار، وحين أسلم أهل المدينة من الأوس والخزرج أصبحت الهجرة إليها حلا أكيدا للتخلص من سطوة قريش، والسؤال هنا؛ ماذا لو أسلم الأوس والخزرج قبل ذلك التاريخ؟ هل كان عليه الصلاة والسلام يؤجل الهجرة إليهم ليستكمل الفترة الزمنية اللازمة لهذا الإعداد الإيماني والتربوي؟ الجواب وبكل تأكيد؛ لا، لأنه عليه الصلاة والسلام كان قد بحث بنفسه عن مكان آخر غير مكة كما في قصة الطائف، ولو رحّب به أهل الطائف لاستجاب بكل تأكيد، وهذا معناه أن الثلاث عشرة سنة ما كانت إلا واقعة حال أملتها ظروف معينة وفي بيئة أرضية معينة ولا شأن لها بالوحي والتشريع السماوي.
أما النقاش في مسألة (التدرج)، فقد جاء الارتباك بسبب الخلط بين مقولة (التشريع) وبين مقولة (التطبيق)، فالتشريع هو تحليل وتحريم وهو حق إلهي بحت «أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ» الشورى 21، بخلاف (التطبيق) والذي هو فعل بشري تتحكم فيه حيثيات كثيرة ومختلفة تتعلق بطبيعة الزمان والمكان والأرض والمجتمع، وتتفاوت مسؤوليته من شخص إلى آخر، وهنا ينبغي التمييز أيضا بين (التطبيق الفردي) وهذا خارج سياق النقاش أصلاً، وبين (تطبيق الدولة) وهو المقصود عادة بهذا المصطلح، فالنقاش لا يدور حول أداء الفرد هل يشرب الخمر مثلا أو لا؟ وإنما النقاش حول من الذي يحق له أن يلزم الآخرين بهذا الحكم ومتى وكيف؟
إن تطبيق الشريعة بهذا المعنى ينبغي أن يخرج تماماً عن دائرة الأفراد والمجتمعات وأن يبقى منحصرا في دائرة (الدولة)، فمسؤولية الإلزام تتطلب سلطة شرعية ووضعاً قانونياً صحيحاً وآليات محددة للتنفيذ والفصل بين الخصومات وتلقي الشكاوى والدفوعات، وهذا محل تأصيل وبحث طويل في تراثنا الفقهي، وإنه لمن الخطأ والخطر أن يقرأ المسلم حكماً شرعياً فيمنح لنفسه صلاحية تنفيذه في الآخرين متجاوزاً حكم الله نفسه المتعلق بتحديد المسؤوليات والصلاحيات، فلو قرأت مثلاً قوله تعالى: « وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا» ثم ذهبت تقطع يد الخادم أو العامل الذي عندك فهذه فوضى وهمجية يتنزه الإسلام أن ينحدر إلى دركها، وهذا ما هو حاصل بالضبط في الكثير من ممارسات الجماعات (الجهادية) فلكل جماعة قاض يحكم بقتل المرتد وقطع السارق دون أن يعرف الناس ما اسم هذا القاضي وما عمره وما تحصيله العلمي وما هي خبرته وأين مكانه ومكتبه؟! وقد قدّر الله لي أن ألتقي بأحد هؤلاء القضاة، وكانت فرصة للتعرف عن قرب على ملابسات هذا العمل، وكان مما سألته عنه في طبيعة عمله؛ هل تتيحون فرصة لشهود الدفاع أو لأهل المتهم بتقديم ما عندهم من معلومات؟! فقال: طبعا لا، لأن ظروف عملنا تتطلب السرّية والتخفي! قلت: فهل تعتقد أن القضاء الشرعي العادل ممكن أن يكون سرياً؟ قال: والله لا أدري لكن هذا هو المتيسر «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ»!!
إن الخطاب القرآني مثل: (قاتلوا) و (اقطعوا) و(اجلدوا) و(خذ من أموالهم) موجه للدولة وليس للأفراد أو الجماعات، وإن أي تنفيذ له خارج نطاق الدولة هو خروج عن الشرع نفسه، وتشجيع للفوضى والدمار وإن جاء بثوب ديني وتحت راية دينية، عدا حالة الدفاع عن النفس والتي لها تأصيلها الخاص وفقهها.
والدولة ذاتها لا يحق لها تطبيق هذه الأحكام كيفما اتفق، بل عليها مراعاة المقتضيات الشرعية للتطبيق والتي يغفل عنها الكثير، ومنها:
أولا: مراعاة طبيعة العقد الاجتماعي بينها وبين شعبها بكل مكوناته وشرائحه، فالحكومة تستمد شرعيتها من الشعب، وهذه الشرعية محددة بطبيعة التفويض والتخويل الشعبي، فالنص الديني لوحده لا يعطي الصلاحية لفلان دون فلان، وعليه فالناس إذا أرادوا تطبيق الشريعة فإنهم سيفوضون حاكما أو حكومة ما بالتنفيذ، وإن لم تصل قناعة الناس ووعيهم إلى هذا المستوى، فينبغي على العلماء والدعاة أن يرتفعوا بوعي الناس وفهمهم للدين وأحكامه ولا يحق لجهة ما أن تمنح لنفسها بالقوة صلاحية التطبيق القهري والقسري، كيف والله يقول: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»، وقد رأينا الشرع نفسه يبيح لأهل الذمة أن يمارسوا شعائرهم مع ما فيها من عقائد (شركية) في بلاد المسلمين وتحت حماية الخلافة (الإسلامية)، ويشربوا الخمر أيضا ويصنعونها ويبيعونها لبعضهم البعض، وهذا كله بمقتضى العقد (الذمة) الذي بينهم وبين الدولة، هذا ليس معناه التشكيك بحرمة الخمر أو التدرج في بيان الحكم، وإنما هو الفارق المهم بين منهجية (البيان) و(منهجية التطبيق)، فالبيان لا يحتمل إلا الصراحة والوضوح «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ» المائدة 74، وأما التطبيق فهو الذي يتسع لمرونة واحتمالات ومقتضيات وخصوصيات الأرض والزمان والإنسان.
ثانيا: أن العقد الذي بين الدولة (الحكومة) وبين شعبها يتضمن مسؤوليات متقابلة، فالتفويض يقابله التزام، وإذا كان للدولة أن تعاقب فعليها قبل ذلك أن تفي بالتزاماتها في الحرية والعدل والخدمات والتربية والتعليم وحسم أسباب الجريمة قبل وقوعها، وانظر كيف يشترط الفقهاء في حد السرقة مثلا أن لا يكون للسارق شبهة كأن يكون عاملاً مهضوم الحق أو جائعاً مضطراً لدفع الجوع عن نفسه أو أن هناك سوءاً في إدارة المال كالمال الذي ليس له (حرز) أو المال (السائب)، وقد أوقف عمر بن الخطاب بالفعل حدّ السرقة في عام الرمادة (المجاعة)، ونحو هذا إيقاف الحدود أثناء الحرب، ومن المفارقات أن شهوة الجماعات المسلحة في إقامة الحدود تتزايد أيام الحروب والفتن والجوع والجهل، وهذا كله يسير بعكس المنهجية الإسلامية الصحيحة في (التطبيق).