


عدد المقالات 216
في مرحلة تتسم بتشابك الأزمات وتعدد مسارات النزاعات في المنطقة العربية والشرق الأوسط، تبرز دولة قطر كفاعل دبلوماسي نشط يسعى لإعادة صياغة المشهد الإقليمي، انطلاقا من رؤية قائمة على الحوار والشراكة، لا على الصدام والاستقطاب. فمن جمهورية مصر العربية إلى الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية، يبرز الحراك الدبلوماسي القَطري بخطى مدروسة تضع مصالح الشعوب في مقدمة الأولويات، وتمنح السياسة بعدا إنسانيا وتنمويا طالما افتقدته العلاقات العربية – العربية في السنوات الماضية. ومن خلال سياسة خارجية ترتكز على مبدأ «الدبلوماسية الفاعلة والملتزمة»، تنجح الدوحة اليوم في إعادة تموضعها كلاعب محوري في مسار الاستقرار العربي. أولا: قطر ومصر... تحالف إستراتيجي يتجاوز الأزمات تشكل العلاقة القطرية المصرية اليوم نموذجا متقدما في استعادة الثقة وتطوير العلاقات على أساس المصالح المتبادلة والاحترام السياسي. فالسنوات الأخيرة شهدت تراكما نوعيا في التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي، عكسه بوضوح الزخم غير المسبوق في تبادل الزيارات بين قيادتي البلدين منذ عام 2022، وصولا إلى زيارة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الدوحة، التي مثّلت علامة فارقة في إعادة ضبط إيقاع العلاقة بين العاصمتين. الدوحة والقاهرة باتتا تتشاركان الرؤية ذاتها تجاه معظم القضايا العربية، لا سيما دعم العمل العربي المشترك، ومكافحة الإرهاب، وتبني مقاربات جديدة في التعامل مع أزمات الإقليم. وأما على الصعيد الاقتصادي، فقد حجزت الاستثمارات القطرية مكانا متقدما في السوق المصري، مستفيدة من بيئة تشريعية جديدة ومشاريع عملاقة واعدة في قطاعات النقل والطاقة والبنية التحتية. كما أولت الدوحة أهمية بالغة للتعاون في مجال الطاقة المتجددة، انطلاقا من إدراكها لأهمية التحول الأخضر في تعزيز الاقتصاد المستدام. وقد ساهم المنتدى الاقتصادي القطري المصري في القاهرة في نوفمبر 2023 في إطلاق عدة مشاريع مشتركة أبرزها في السياحة والزراعة. وأما ثقافيا، فقد مثّل الأسبوع الثقافي المصري في الدوحة دليلا آخر على تنامي «القوة الناعمة» في العلاقة بين الشعبين، حيث حضره عشرات الآلاف، وأتاح مساحة لعرض الإبداع المصري وترسيخ الوعي المشترك. وإن هذا التقارب المتعدد الأبعاد أسس لقاعدة صلبة يمكن البناء عليها مستقبلا، ليس فقط لتحقيق المصالح المشتركة، بل أيضا لتكريس نموذج عربي ناجح في تجاوز الخلافات وتكثيف التعاون السياسي والاقتصادي والإقليمي. ثانيا: قَطر وسوريا... من الحرب إلى إعادة البناء منذ أكثر من عقد من الزمن، شكلت دولة قطر أحد أبرز الداعمين للشعب السوري، ورفعت صوتها عاليا في المحافل الدولية دفاعا عن حق السوريين في الحرية والكرامة. وقد اتخذ هذا الدعم طابعا إنسانيا وسياسيا وأخويا في آن واحد، وهو ما منح الدوحة مصداقية خاصة لدى قطاعات واسعة من الشعب السوري في الداخل والخارج. واليوم، ومع دخول سوريا مرحلة جديدة بعد طي صفحة النظام، تتجه العلاقة بين الدوحة ودمشق نحو الانخراط في مسار بناء الدولة السورية الحديثة. وزيارة فخامة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى قطر لم تكن فقط سياسية، بل حملت أبعادا رمزية ورسائل إستراتيجية للداخل السوري وللخارج، بأن دولة قطر ستبقى حاضرة في معركة إعادة البناء والتنمية والوحدة الوطنية. وقد عبّرت القيادة القطرية عن التزامها الثابت بدعم دولة سوريا الجديدة، دون شروط مسبقة، وإنما وفق رؤية تشاركية تعتمد على احترام تطلعات السوريين، ودعم المسارات السياسية والاقتصادية والإنسانية لإعادة النهوض بالدولة. وقد لعبت الجمعيات والمؤسسات القطرية دورا رياديا في الداخل السوري، من خلال مشاريع الإغاثة العاجلة، والمراكز الصحية، وبرامج التعليم، والمشاريع الصغيرة التي هدفت إلى تمكين العائلات النازحة والمحرومة. وكما ساهم الإعلام القطري، وعلى رأسه قناة الجزيرة، في إبقاء القضية السورية على رأس الاهتمام الدولي، ما ساعد في منع طمس الجرائم، وكشف المعاناة التي يعيشها الشعب السوري. والمرحلة المقبلة تتطلب دعما حقيقيا لدمشق في مشاريع البنية التحتية، وقطر تبدو من أكثر الدول القادرة على لعب هذا الدور، خصوصا أنها راكمت خبرة كبيرة في إدارة مشاريع الإعمار والنهوض من الأزمات. ومع الانفتاح التدريجي العربي والدولي على دمشق، ستكون قطر في قلب هذا الحراك، ليس فقط لأنها كانت شريكة في الثورة، بل لأنها شريكة في المستقبل. ثالثا: قطر ولبنان... شراكة في اللحظة الحرجة لبنان، بلد الأزمات المتكررة، وجد في قطر حليفا صادقا في كل المراحل الحرجة التي مر بها. ولم تكن زيارة فخامة الرئيس العماد جوزاف عون إلى الدوحة زيارة بروتوكولية، بل جاءت كتجديد لعهد التضامن والدعم الذي التزمت به دولة قطر تجاه لبنان منذ عقود. فقد ظلّت الدوحة من أولى الدول التي سارعت لتقديم الدعم السياسي والاقتصادي، وخاصة في فترات العجز السياسي والشغور الرئاسي. وقال فخامة الرئيس عون في لقاء مع رؤساء تحرير الصحف القطرية إن العلاقات اللبنانية - القطرية تشكّل نموذجا للتعاون العربي القائم على الأخوة والدعم المتبادل، وأضاف: «قطر أظهرت قولا وعملا على مر السنين تضامنها الكامل ودعمها المطلق للبنان»، وربما تكون هذه العبارة الأكثر توضيحا للموقف القطري من لبنان على مر السنين. فهذه الزيارة الأخيرة أكدت مجددا أن دولة قطر ترى في استقرار لبنان مصلحة عربية عليا، وأن دعم الجيش اللبناني، والمؤسسات الرسمية، والتعليم والصحة، يأتي من منطلق استراتيجي وليس مجرد مساعدات طارئة. فخلال السنوات الأخيرة، موّلت قطر ترميم مستشفى الكرنتينا، وأطلقت جسرا جويا إغاثيا خلال العدوان الإسرائيلي على الجنوب، وقدمت دعما غذائيا شهريا للجيش، فضلا عن مساهمتها في إعادة إعمار وحدات سكنية بعد حروب إسرائيل. وقد حافظت دولة قطر على حضورها الإنساني والدبلوماسي والسياسي في المشهد اللبناني. كما رعت مبادرات حوارية، على غرار اتفاق الدوحة 2008، والذي ما زال حتى اليوم يُعد من أنجح التجارب العربية في حل النزاعات الداخلية. وإن الموقف القطري من لبنان لا يُقاس بحجم المساعدات فقط، بل بجودة الرؤية، حيث تسعى الدوحة إلى بناء شراكات طويلة الأمد في قطاعات النقل والمرافئ والسياحة والطاقة، وهي قطاعات تحتاجها بيروت بشدة للخروج من نفقها المظلم. ومع تعزيز الاستقرار الأمني، تستعد الدوحة لتكون حاضنة للفرص اللبنانية من جديد، ولتُثبت أن الدبلوماسية الأخوية لا تُقاس بحجم التصريحات، بل بالأفعال المستدامة. دولة قطر... الدبلوماسية العربية الجديدة ما بين القاهرة ودمشق وبيروت، تكتب الدوحة فصولا جديدة من الحضور العربي الفاعل، والمؤثر، والملتزم. وليست دولة قطر مجرد وسيط سياسي أو مانح مالي، بل أصبحت عقلا دبلوماسيا عربيا فذا، يتحرك بحكمة وهدوء ويحقق نتائج ملموسة. حيث أعادت تعريف دور الدولة الصغيرة الحجم، الكبيرة التأثير، وبرهنت أن التحالفات تُبنى بالعلاقات لا بالإملاءات. ومن مصر التي تحتضن استثمارات قطرية تُسهم في نهضتها، إلى سوريا التي تستعد لمرحلة جديدة من البناء والإعمار والتنمية بدعم قطري واعد، إلى لبنان الذي وجد في الدوحة شريكا في الأزمات والبدايات، تبلور الدور القطري كمحور استقرار إقليمي وركيزة دبلوماسية ناضجة. ففي زمن الانقسام، تطرح دولة قطر خطاب الوحدة، وفي زمن التكتلات الضيقة، تفتح أبواب الشراكة، وفي زمن الشك، تزرع الثقة، وفي زمن الانهيار، تستثمر في النهوض. هذا هو جوهر الدبلوماسية القطرية الجديدة: اِلتزام بالأخوة، وانخراط مسؤول، ووعي عميق بأن استقرار العالم العربي يبدأ من الحوار، لا من العداء، ومن التنمية، لا من التدخلات الفوقية. وبهذا النهج، تتجه الدوحة نحو ترسيخ مكانتها كعاصمة للتوازن العربي، وحاضنة للتوافقات، ومركز لصياغة مستقبل عربي أكثر تماسكا وعدالة ونماء. @FalehalhajeriQa
لحظات التحولات الكبرى والأزمات الإقليمية، تكشف حقيقة الدول وقدرتها على إدارة التحديات. فالأزمات لا تختبر القدرات العسكرية والاقتصادية فحسب، وإنما تختبر أيضا تماسك المجتمع، ووضوح الرؤية السياسية، وكفاءة المؤسسات. وفي ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية...
دخلت قطر الأيام الماضية على إيقاع تصعيد إقليمي واسع، تمددت ارتداداته إلى أجوائها ومحيط منشآتها الحيوية. ومع أولى المقذوفات التي استهدفت المجال الجوي للدولة، صدر بيان وزارة الدفاع مؤكدا نجاح أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض...
حين تتسارع الأخبار في الإقليم، يصبح معيار الثقة هو ما يراه الناس على أرضهم وما يسمعونه من جهاتهم الرسمية. في هذا السياق أكدت وزارة الداخلية أن الأوضاع داخل دولة قطر مستقرة وآمنة، وأن المؤشرات الأمنية...
مع أول ليلة من رمضان، يشعر الإنسان أن شيئا داخله يعاد ترتيبه بهدوء. كأن هذا الشهر لا يأتي ليغير جدول الحياة، وإنما ليعيد ترتيب القلب نفسه. رمضان ليس زمنا إضافيا في التقويم، وإنما زمن يعود...
في مسار بناء الدول الحديثة، تتقدم بعض الدول بخطوات ثابتة لأنها تدرك أن الثروة الحقيقية تكمن في الإنسان، لا في الموارد وحدها. ضمن هذا الإطار، تشكل جائزة قطر للتميّز العلمي أحد أبرز تجليات الفلسفة التنموية...
جاءت تزكية سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني رئيسا للمجلس الأولمبي الآسيوي تتويجا لمسار طويل من العمل الرياضي المؤسسي، ورسالة واضحة من القارة الآسيوية بأن القيادة في هذه المرحلة تُمنح لمن راكم التجربة، وصنع...
شهدت الدوحة لحظة ثقافية استثنائية مع حفل اكتمال «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية» برعاية وحضور حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في قاعة كتارا بفندقي فيرمونت ورافلز. لم يكن...
تحتفل دولة قطر في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام بذكرى تأسيسها عام 1878م على يد المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني (رحمه الله). وهذه مناسبة وطنية لا تختزلها المراسم والاحتفالات، وإنما تعكس...
شهدت العاصمة الرياض، أمس الإثنين، انعقاد الاجتماع الثامن لمجلس التنسيق القطري–السعودي برئاسة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل...
انطلقت، أمس، أعمال منتدى الدوحة 2025 وسط حضور رفيع، تقدّمه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حيث شكّل وجود سموه في افتتاح الفعاليات علامة على الاهتمام الذي توليه الدولة...
هناك لحظات في التاريخ يصبح فيها التفكير أهم من البناء، والفكرة أهم من المساحة، والعقل أهم من القوة المادية. في مثل هذه اللحظات يتضح أن الدول التي تملك عقلا منظما ورؤية فكرية واضحة تستطيع أن...
شهدت الدبلوماسية القطرية خلال الأيام الماضية محطة جديدة تعكس حضور دولة قطر في قلب التحولات الإقليمية والدولية، عبر الجولة التي قام بها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى إلى...