


عدد المقالات 336
في ثنايا تأصيله للثورة على الأنظمة الظالمة الفاسدة راح الإمام الجويني في كتابه (غياث الأمم) -وهو الكتاب الفريد في علم السياسة الشرعية- يضع القواعد المنهجية الموجّهة والضابطة لسلوك (الثوار) بحيث لا تنحرف الثورة عن مسارها ولا تتجه لغير مقصدها. بدأ أولا في الصفات الموجبة للثورة مفرّقا بين الفسق المقتصر على الذات، فهذا عنده ليس مسوّغا للخروج بحال -وقد أفاض في تأصيل ذلك-، وبين الفسق المتعدّي الذي تنشأ عنه المظالم الكبيرة والمفاسد العظيمة (فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق... واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفا ممن ظلمه... فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم... فالبدار البدار قبل أن تزول الأمور عن مراتبها، وتميل عن مناصبها، وتميد خطة الإسلام بمناكبها) ص275. في هذه الرسالة يردّ الإمام بنفسه ردّا واضحا وقاطعا على من يتهمه اليوم أو يتهم فقهاء المسلمين بأنهم كانوا يؤصّلون للاستبداد والطغيان، ويوالون السلطان كيفما كان. وفي مقابل هذا يضع الإمام بين يدي الشعوب الثائرة قاعدة أخرى في غاية الأهمية والخطورة، وكأنه ينظر اليوم إلى واقع الثورات العربية وما آلت إليه (فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا، فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سببا في زيادة المحن، وإثارة الفتن، ولكن إذا اتفق رجل مطاع ذو أتباع وأشياع... فليمض في ذلك قُدُما، والله نصيره، على الشرط المقدّم في رعاية المصالح، والنظر في المناجح، وموازنة ما يُدفع، ويرتفع بما يتوقّع) ص282. إن الإمام يتكلم هنا بوضوح عن وحدة القيادة، فالثورة لا تجوز عنده إلا بهذا الشرط؛ درءا للفتنة والفوضى المحتملة أثناء الثورة، وتلافيا لما يتكرر وقوعه بعد الثورة من احتراب واقتتال وتنازع على السلطان بمختلف الذرائع، فيكثر الهرج، وتتعدد الرايات والشعارات، وتكثر الدماء والأشلاء، حتى (لا يدري القاتل فيم قَتل، ولا المقتول فيم قُتل)، فينسى الناس أصل مصيبتهم، وسبب ثورتهم، وربما ترحّموا على الظالم الأول، مقارنة بما صدمهم بعد الثورة من كثرة الظالمين والقتلة السفّاحين، هذا باسم الدنيا، وهذا باسم الدين، فلا تكاد تنجو من سيف هذا حتى تقع تحت سيف ذاك. إن الثورة التي تفشل في توحيد قياداتها من البداية وهي في مرحلة القهر والاستضعاف لا يمكنها أبداً أن توحّد قياداتها بعد دنوّ الغايات، ورفع الرايات، وكثرة الارتباطات، واختلاف الأولويات. لقد رأينا (الإخوة) في أفغانستان والعراق ثم في أغلب الثورات العربية الذين ربما كانوا ينتمون لمدرسة واحدة، ويصلّون في مسجد واحد، كيف أن (الثورة) قد أحالتهم إلى أعداء أشد عداوة من عداوتهم للظالم الذي ثاروا عليه سواء كان (حاكما ظالما) أو (محتلا غاشما)، ولكل فريق تبريراته ومسوّغاته و (معلوماته) التي تبدأ عادة بالظنون الرديّة، وتنتهي بالقطيعة الأبدية. هذه الرسالة ليست وحيا مقدّسا ولكنها رؤية عالم عامل دوّنها قبل ألف سنة، وهي نموذج لما في تراثنا من ثروة مليّة وخبرة عملية، لو أحسنت الأجيال التعامل معها والاستفادة منها خاصة بالنسبة للذين يتصدّون للمسؤولية ويباشرون الأعمال الجماعية.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...