


عدد المقالات 336
لا أدري مدى صحة الرواية التي تقول إن الحلاج لما قُطعت يداه أخذ يمسح وجهه بدمه وهو يقول: (ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم)! لكني أدري عن تديّن مصنوع نواجهه اليوم لا يعشق إلا الدم ولا يتوضأ إلا بالدم. كثير هم المصدومون للصور البشعة القادمة من الصقلاوية في أطراف الفلوجة؛ قتل وتعذيب وإهانات تخرج عن نطاق السلوك الآدمي، لم يسلم منها أعزل ولا مريض ولا معاق ولا كبير السن. مئات النازحين الذين خرجوا مستنجدين بـ (إخوانهم في الوطن)، لكن إخوانهم غدروا بهم وأخذوهم إلى حفلات مجنونة بكل ما في الجنون من معنى، ولولا الصور والتسجيلات الموثّقة لظن بعض (مثقفينا) أن هذا جزء من المبالغات التي يغذيها (الاحتقان الطائفي)! كيف يتجرأ من يدّعي الإسلام أن يفجّر مساجد المسلمين ثم يصوّر نفسه بزهو أمام المصاحف المحترقة والمآذن المهدمة؟ كيف يتجرأ من يدّعي الإسلام أن يذبح قوما صائمين في نهار رمضان لجؤوا إليه برايات بيضاء بلا سلاح ولا حتى حجارة أو عصيّ؟ كيف يتجرأ من يدّعي الإسلام أن يرفع سلاحه بوجه عجوز تستنجد به، أو شيخ كبير مقعد على الأرض؟ ثم يكذب فيدّعي أنهم من (جماعة داعش)، وهو يعلم يقينا أنهم ما فرّوا إلا من داعش ومن ظلم داعش؟ إن الجواب عن كل هذا لا يمكن أن يكون بردود الأفعال الآنية ولا بالنظرة المبسّطة والسطحية، فالموضوع أعمق من هذا بكثير. حدّثوني في الميزان العلمي والتربوي الدقيق عن مدرسة دينية مجتمعية تتمحور كلها حول عقيدة (الثأر)، كل مناسباتها بما تتضمنه من طقوس وشعائر وإنفاق وتحشيد جماهيري تدور حول هذه العقيدة لا غير، حتى أركان الدين من صلاة وصوم وزكاة وحج لا تبدو شيئا يذكر أمام هذه العقيدة، بل حتى الشخص الذي يرتكب كل الموبقات ويتعدى كل الحرمات فإنه مغفور له بقدر ما يجتهد في خدمة هذه العقيدة! ثم إن (طقوس التطبير) والوضوء أو الاغتسال بالدم تجري حتى على الأطفال الرضّع، وهذه صور طفح بها الفضاء دون نكير من مرجع أو مفكّر، وقد شاهد العالم برلمانية عراقية تقدّم طفلها الصغير والدم يتصبب على وجهه وهي تنظر إليه بسعادة بالغة! ما الذي يتوقعه التربويون من شتى الديانات والتوجهات لمثل هذه المخرجات، خاصة مع ضياع الدولة وفقدان القانون؟ وهل الذي يتربى في مثل هذه الأجواء والممارسات يستطيع أن يفكر عن مصدر هذه الطقوس ومستندها حتى في المذهب الذي ينتمي إليه؟ وما إذا كان آل البيت من يوم فاجعة الحسين -رضي الله عنه- حتى آخر الأئمة قد فعلوا شيئا من هذه الأفاعيل أو دعوا الناس لها؟ ثم الثأر ممّن؟ من قوم أغلب أسمائهم (علي وحسن وحسين) وليس فيهم ولا اسم واحد لشمر أو حتى ليزيد؟ وليس فيهم من قتل ولا من حضر ولا من رضي؟ إن تعطيل الفكر بهذا الشكل وإطلاق العنان لهذه السادية المتوحشة معناه أننا أمام دين وظيفي مهمته تخريج أدوات صمّاء لمشروع آخر لا علاقة له بالحسين ولا بثأر الحسين.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...