


عدد المقالات 336
ما زال ملف الصحوات يثير جدلا لدى المهتمين والمراقبين داخل العراق وخارجه، ولكن مما يؤسف له أن لا ينتج هذا الجدل معرفة جديدة أو خبرة مفيدة، وذلك لهبوط أدوات الجدل وأساليبه إلى مستوى المناكفات والمزايدات والتصفيات السياسية، وهذا ما غدا نمطا متبعا في كل الملفات العراقية، حيث لم تقدّم لحد الآن دراسة علمية منهجية تجيب القارئ عن أسئلته وتضيف له خبرة ميدانية من الممكن اعتمادها والوثوق بها كقيمة علمية ومعرفية، رغم مرور ما يكفي من الوقت لإعادة التقويم والنزول من سطحية التعميمات والشعارات السياسية إلى قاعات البحث العلمي الدقيق والمنتج. لهذا اليوم ما زلت تسمع من بعض السياسيين وشيوخ القبائل الكبيرة من يفخر بدوره المبكر والريادي في تأسيس الصحوات، بينما ترى الطرف الآخر لا يرى سبّة أو شتيمة يطلقها على خصومه بالحق أو بالباطل أقذع ولا أشنع من هذه الكلمة، حيث ارتبطت عندهم بالعمالة والخيانة وربما بالكفر والردّة. ربما تكون طريقة التفكير الأحادي (مع أو ضد) هي المسؤولة عن هذا التباين الحاد، حيث إن الدخول في التفاصيل وتعقيداتها يحتاج إلى نمط آخر من التفكير كما يحتاج إلى نفوس أكثر هدوءا وأكثر استقرارا. نشأت الصحوات في المناطق ذاتها التي تميزت بمقاومة الاحتلال الأميركي أي في المثلث أو المربع السنّي، وهذه النقطة بحد ذاتها تحتاج إلى وقفة طويلة ومعمقة، فكيف انقلبت هذه المناطق العتيدة والمنيعة من احتضان المقاومة إلى احتضان الصحوات؟ ثم ما السر الذي ملكته هذه الصحوات حتى أنجزت بشهور أو أيام ما عجزت عنه القوات الأميركية وحليفاتها لسنوات طويلة في ضبط الأمن أو في مواجهة «المجاهدين»؟ مع أن الصحوات تفتقر إلى التنظيم والتدريب والخبرة القتالية والسلاح المكافئ وربما العقيدة الدافعة أيضا. ربما تشكل هذه الأسئلة ما يشبه الألغاز خاصة لمن هو بعيد عن الساحة، أما الكلام عن الرواتب التي لا تزيد على 300 دولار شهريا والتي يتقاضاها بعض المنتسبين للصحوة، وأن هذه الرواتب هي التي دفعت هؤلاء للقتال فهذا استغفال ساذج لا ينبغي الالتفات إليه. حقيقة أن سنّة العراق قد بذلوا في دفع المحتل الأميركي ما يشبه الأساطير، ولو أنصفهم العالم لوضعهم في سفر المعجزات التي قد لا تتكرر، فهم لوحدهم رغم سنين الحصار الخانق قد واجهوا بإمكاناتهم المتواضعة ومن دون حليف أو معين أعتى جيش في العالم، رغم القرار الذي اتخذه الشيعة بكل مرجعياتهم الدينية والسياسية أن ينحازوا إلى جهة المحتل ويتحالفوا معه سياسيا وعسكريا وأمنيا. يذكر العالم جيدا في معركتي الفلوجة الأولى والثانية أنه لم يتمكن أي صحافي من أن يصوّر أو يسجل حالة تذمر واحدة لأهالي الفلوجة من تبعات المقاومة الثقيلة وتضحياتها الجسيمة، وهذا يعني أن قرار المقاومة كان قرارا شعبيا عاما مجمعا عليه في كل المناطق السنّية، وقد كان أهل السنة يتمنون أن لو بقيت المعادلة بطرفيها التقليديين الواضحين الاحتلال والمقاومة، حتى لو ذهب الآخرون لجمع الغنائم والاستحواذ على عرش العراق ونفطه وخيراته، لكن الذي حصل كان أبعد من هذا بكثير. لقد سمح الأميركان للآلاف من المسلحين الشيعة بالدخول معه في معركة الفلوجة الثانية ليتركهم يعيثون فسادا وعلى كل المستويات، حتى كتب أحدهم على جدار في الفلوجة «اليوم أرضكم وغدا عرضكم». أما في بغداد فقد سقطت أغلب الأحياء ذات الكثافة السنية تحت وطأة الميليشيات الشيعية، وأحرق من مساجد السنة حرقا كليا أو جزئيا ما يقرب من 180 مسجدا، وقد وثقت هذه الجرائم في كتاب «مساجد في وجه النار»، أما الجثث مجهولة الهوية وهي كلها للسنّة فأكثر من أن تحصى، ناهيك عن حالات التعذيب والاغتصاب في السجون والتي تمارس بحق الآلاف من أهل السنّة رجالا ونساء! أما في المناطق التي لم تتمكن الميليشيات الشيعية من الوصول إليها أو البقاء فيها، فقد تكفلت العصابات المختلفة والمدعومة من إيران والتي تتسمى بأكثر من اسم بإكمال الدور، فقد استهدفت خيرة علماء السنة وشبابهم ومجاهديهم. نعم، ففي الوقت الذي لم تسجل فيه حالة اقتتال واحدة بين كل الفصائل رغم اختلافها في التوجهات والأيديولوجيات، كانت تلك العصابات تشتبك مع كل هذه الفصائل ولم يسلم منها أحد. لقد كان أهل السنة يظنون في بداية الأمر أن المقاومة المسلحة التي أوشكت على هزيمة المارينز قادرة على أن توفّر لهم الحماية الأمنية الكافية، إلا أن هذا الظن لم يكن في محله، وليس ذلك بسبب عجز المقاومة وإنما لأن حماية المدن والمناطق الشاسعة تتطلب وجود جيش نظامي قادر على الاحتفاظ بالأرض، ولو ظهرت المقاومة بشكل معلن لمواجهة الميليشيات الطائفية فإنها ستكون هدفا سهلا للطيران الأميركي، وهذا ما حصل بالفعل في بعض الحالات. في هذا الوضع المعقّد كان على أهل السنّة أن يفكروا بطريقة أخرى، وكانت المشاريع والرؤى تطرح في كل مكان ومن أكثر من جهة، ومن ذلك فكرة تدارك الخطأ الاستراتيجي الذي وقع فيه السنة بالابتعاد عن الجيش العراقي الذي تشكل بعد الاحتلال، فأقدم بعضهم على الانخراط مؤخرا، لكن الأبواب كانت أمامهم شبه مغلقة، فقد تمكن الشيعة من إحكام قبضتهم على هذا الجيش بكل فرقه وألويته تقريبا. اتجه الناس إلى الحصن الأخير وهو العشيرة، والعراق بلد معروف بانتماءاته القبلية الشديدة، فكان شيوخ القبائل في نشاط مستمر للبحث عن حل يكفل حماية أنفسهم وعشائرهم ومن يلوذ بهم، وقد تمكنوا بالفعل من تكوين قوى محلية أشبه بالميليشيات، ولم يكن بين هذه القوى إلا القليل من التنسيق الذي لا يكاد يذكر، ولم يكن هناك نظام أو هيكلة إدارية موحّدة، إلا أن الولاء القبلي وشعور الناس بالأمن النسبي شكلا دافعا قويا لإنجاح التجربة، ولذلك استنسخت هذه التجربة في بعض مناطق العاصمة بطريقة تناسب الحياة المدنية وبدعم معلن من قبل بعض الأحزاب والواجهات السنية طبعا، أما فصائل المقاومة فقد كان موقفها يتسم بالحذر الشديد، فإن الإنجازات الأمنية التي تحققها الصحوات قد لا تكون هي نهاية المطاف! وهذا ما حصل بالفعل بشكل أو بآخر. أما الأميركان فقد كان موقفهم يتسم بقدر كبير من المكر والدهاء، وكان هدفهم الأساسي هو إيقاع الفتنة بين هذه القبائل وبين المقاومة العدو اللدود للأميركان، فبادر الرئيس الأميركي جورج بوش بزيارة عشائر الأنبار مستغلا هذا الظرف الذي صنعه هو بمساعدة الإيرانيين، واجتمع بالشيخ عبدالستار أبوريشة وكان حينها قائدا لهذه الصحوات، فقال له الأخير بشكل مفاجئ: إذا اعتمد علينا فإننا قاتلنا إيران ثماني سنوات ونحن قادرون اليوم أن نضع حدا لتجاوزاتها. وقد كان هذا تعبيرا صادقا عن مخاوف السنّة من التغول الإيراني الذي طغى لدى الكثير منهم على الخطر الأميركي نفسه، وقد دفع أبوريشة ثمن كلمته هذه وجرأته على إيران. لقد عمل الأميركان على توظيف هذه «الميليشيات السنية» للتخلص من المقاومة باستمالة بعض شيوخ القبائل ووعدهم بالتحالف أو التنسيق ضد الإيرانيين، وكان من الممكن لأهل السنة أن يديروا هذا الملف بشكل آخر لاسيَّما أن المقاومة بكل فصائلها تنتمي لهذه القبائل نفسها، فقد يكون زيد في المقاومة ويكون ابن عمه أو شقيقه في الصحوة، وهذا ما كان يخشى منه الأميركان والإيرانيون، لكن النظرة الأحادية وربما الغرور الزائف قد دفع باستعجال العداء والاحتراب الداخلي باللسان والسنان، وهكذا تمّ للأميركان وحلفائهم ما أرادوا، فضعفت المقاومة ثم ضعفت الصحوة وانكشفت الساحة السنّية بالشكل الذي لا يتناسب مع إمكاناتهم ومواقفهم المعهودة.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...