


عدد المقالات 336
كنت واحداً من الذين يظنون أن مصائب أمتنا كلها ترجع إلى خطيئة واحدة اسمها «الاستبداد»، والمقصود طبعاً استبداد الأنظمة الحاكمة، وأن الحل كل الحل إنما هو في الانفتاح والحرية والتعددية والمشاركة السياسية. ربما يكون الأمر كذلك، وربما يكون هذا بسبب بروز قيمة «الحرية» في الثقافة المعاصرة، كقيمة محورية تدور حولها كل القيم الأخرى. زارنا أمس، واحد من أنشط الدعاة المقيمين في أوربا، والذي له حضوره في الجالية الإسلامية التي يقارب تعدادها النصف مليون من مجموع التسعة ملايين الذين يشكلون سكان ذلك البلد، وهي نسبة مؤثّرة بلا شك لو كان هناك وعي. في ذلك البلد -كشأن كثير من البلاد الغربية- تتنافس على دفّة الحكم أحزاب يميل بعضها للتسامح مع الجاليات والأقليات، ويميل الآخر للتشدد العنصري أو القومي، وبالمنطق البسيط الذي لا يحتاج إلى ذكاء ولا إلى فلسفة، فإن من مصلحة الأقلية المسلمة هناك فوز المتسامحين مهما كان اسمهم، وأن المسلمين قادرون على ترجيح كفّة هؤلاء على خصومهم بأيسر من اليسير، إذ إن الفارق في الأصوات عادة لا يكون كبيراً، فما الذي يمنعهم من ذلك؟ لقد كان غالب هؤلاء محرومين من ممارسة حقوقهم الطبيعية في بلادهم، وكان يفترض -وفي المنطق البسيط أيضاً- أنهم يتوقون إلى معاني الحرية والمشاركة السياسية أكثر من غيرهم بحكم الكبت والحرمان الطويل، لكنك تكتشف العكس، تكتشف أن هنالك الكثير من المعتقدات والمفاهيم والثقافات قد حلّت محل تلك القيود الاستبدادية، بل وتفوّقت عليها. قبل سنوات، كنت قد زرت تلك البلاد، وكتبت بعد عودتي مقالاً أو أكثر في صحيفة «العرب» بعنوان «المسلمون في الغرب حضور في الشارع وغياب في المشروع»، وليس هذا موضوعنا اليوم إلا بالقدر الذي ندرك من خلاله أن الاستبداد ليس هو المسؤول وحده عن كل ما يجري، بل إن الاستبداد لو انتهى، فإننا ربما سنبحث عنه ونركض وراءه ونبكي عليه! ويكفي ما نراه في شعوبنا بعد ما سمّي بثورات الربيع العربي، إلى الحد الذي تشعر فيه كأنها نادمة، وكأنها تفكّر بتقديم اعتذارها لحكّامها المستبدّين! هناك ألقيت الكثير من الدروس وخطب الجمعة، وفي كل مرّة أتفاجأ بذات الأسئلة التي أسمعها هنا في بلادنا العربية والإسلامية، هل تجوز المشاركة في الانتخابات؟ وهل يجوز التعامل مع القانون الوضعي؟ وهل يجوز التعاون مع مؤسسات المجتمع؟ وأذكر أني تحدّثت مرّة عن ضرورة احترام القانون والنظام العام، فعلّق أحد «المشايخ»: كيف أحترم نظاماً جاهلياً؟ وأين هذا من عقيدة الولاء والبراء؟ ومرة أخرى انتفض أحد الشباب وقال: لا والله، هؤلاء الكفرة لا يجوز أن نحترمهم، بل يجب أن ندعسهم بالأحذية! والغريب أن هؤلاء -كما عرفت فيما بعد- ما زالوا يعيشون على نظام الإعانات التي تقدمها لهم تلك المؤسسات الاجتماعية «الكافرة»! إن المحافظة على الخصوصية الدينية والثقافية أمر في غاية الأهمية، لكن الطريق إليها لن يكون بهذا الانغلاق وتلك السلبية بل العكس، فالأجيال القادمة ربما ستضطر لكسر هذه الأقفال والانفتاح على المجتمع، والخشية أن يكون هذا الانفتاح انفتاحاً أعمى بلا وعي، مثلما كان الانغلاق انغلاقاً أعمى بلا وعي.
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...