alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة

عدد المقالات 33

حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

10 سبتمبر 2026 , 12:30ص

حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً أنيقة لكل ما تعذّر تفسيره في الداخل. فبدل مراجعة الخيارات، يُعاد ترتيب المشهد بحيث تصبح المشكلة في الآخر لا في السياسات او النهج او الممارسات. ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب مهم من التصعيد الإسرائيلي الأخير تجاه قطر.
في خطاب بنيامين نتنياهو ومنافسه نفتالي بينيت، وفي أجواء انتخابية إسرائيلية يتصاعد فيها التنافس على تبنّي خطاب اليمين المتطرف والإقصاء والكراهية، تقابلها الحملات التي تقودها جماعات ضغط ومؤسسات مؤيدة للسياسات الإسرائيلية في الولايات المتحدة، لم تعد الدوحة تُقدَّم بوصفها دولة لها خياراتها ومواقفها التي يمكن مناقشتها أو نقدها، بل يجري اختزالها عمدًا في صورة خصم جاهز تُحمَّل عليه أزمات متشابكة لا تبدأ من قطر ولا تنتهي عندها.
فمرة تُستدعى بوصفها ممولًا، ومرة باعتبارها مؤثرًا في الجامعات، ومرة كقوة إعلامية تعيد تشكيل الرأي العام الغربي، حتى يصبح المطلوب ليس فهم ما تفعله قطر، بل صناعة قصة مريحة تُعفي الآخرين من مواجهة السؤال الأكثر إحراجًا: ماذا لو لم تكن المشكلة فيمن ينقل الصورة، بل في الصورة نفسها؟
يبدو أن ذاكرة الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بنيامين نتنياهو قصيرة إلى حدّ يثير السخرية؛ فالحكومة التي أقدمت في سبتمبر 2025 على مهاجمة الدوحة، في انتهاك أدانته الأمم المتحدة بوصفه خرقًا لسيادة قطر وضربة لمسار الوساطة، هي نفسها التي تعود اليوم لتهاجم قطر وكأن شيئًا لم يحدث. والمفارقة أكثر فجاجة حين نتذكر أن الدوحة لم تفرض نفسها على هذا الملف، بل قبلت، بالشراكة مع الولايات المتحدة ومصر، القيام بدور الوسيط لوقف الحرب في غزة والإفراج عن الرهائن، قبل أن تتحول أرض الوساطة نفسها إلى هدف عسكري سقط بسببه ضحايا.
أما نتنياهو، الذي ما تزال بحقه مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فيبدو اليوم وكأنه يريد قلب الأدوار: من يلاحقه سؤال الحرب يهاجم من حاول إيقافها، ومن ضرب مسار الوساطة يتهم الوسيط، ومن وسّع دائرة الصراع يبحث عن شماعة خارجية لأزماته. وهنا تبلغ الوقاحة السياسية ذروتها: بدل مراجعة السياسات التي أطالت أمد الحرب وعمّقت المأساة، تُوجَّه الاتهامات إلى قطر، في محاولة مكشوفة لإعادة كتابة الوقائع وإدانة من سعى إلى التهدئة بدل مساءلة من اختار التصعيد.

عرقلة السلام وصناعة الأعداء
مهما اختلف المرء مع السياسة الخارجية القطرية، فإن الوقائع الأساسية لا تتغير. قطر لم تحتل الأراضي الفلسطينية. ولم تبنِ المستوطنات. ولم تقطع أوصال الضفة الغربية. ولم تضع خرائط الضم. ولم تمنع قيام دولة فلسطينية. ولم تنتج التيارات الإسرائيلية الدينية والقومية المتطرفة التي تتحدث بصورة متزايدة عن الضم والتهجير وترفض حل الدولتين أصلًا.
هذه ليست مسائل خلافية، بل جوهر المشكلة السياسية التي يحاول الخطاب الحالي الابتعاد عنها. والحقيقة أكثر قسوة من ذلك. فإذا كان حل الدولتين قد أصبح اليوم أقرب إلى شعار دبلوماسي منه إلى مشروع سياسي قابل للتحقق، فإن السبب لا يعود إلى مؤسسة قطر ولا إلى الجزيرة ولا إلى الجامعات الأمريكية، بل إلى واقع سياسي وجغرافي جرى تغييره على الأرض بصورة منهجية. الاستيطان لم يكن حادثًا جانبيًا في مسار السلام؛ لقد أصبح أحد أهم أدوات تفكيكه.
ما يزعج المؤسسة السياسية والإعلامية الإسرائيلية اليوم ليس مجرد اتساع دائرة النقد، بل أن المشهد الغربي نفسه بدأ يتغير. فبين الشباب والطلاب والباحثين وقطاعات متزايدة من الرأي العام، لم يعد تبنّي الرواية الإسرائيلية تلقائيًا كما كان في السابق، ولم تعد الادعاءات السياسية والأمنية تُقبل من دون مساءلة أو مقارنة بما يجري على الأرض. 
والأهم أن هذا التحول لم تصنعه قطر، ولا تستطيع دولة واحدة أصلًا أن تصنع تحولًا بهذا الحجم في الوعي العام. ما صنعه هو التناقض المتراكم بين الخطاب الإسرائيلي والواقع: حديث عن الديمقراطية في ظل احتلال طويل، وحديث عن الأمن وسط حروب مفتوحة بلا أفق سياسي، وحديث عن السلام بالتزامن مع توسع استيطاني منهجي يقوّض إمكان قيام دولة فلسطينية. المشكلة، إذن، ليست أن قطر غيّرت صورة إسرائيل في الغرب، بل أن السياسات الإسرائيلية نفسها جعلت الحفاظ على تلك الصورة أكثر صعوبة.
لكن بدل مراجعة هذه الحقائق، تختار بعض الدوائر الإسرائيلية الطريق الأسهل: اتهام الجامعات، وشيطنة الإعلام ومحطة الجزيرة، والتشكيك في الباحثين والطلاب، وتجريم كل صوت ينتقد سياسات الاحتلال. يريدون إقناع العالم بأن المشكلة ليست في القصف بل في من يوثق القصف، وليست في المستوطنات بل في من يسميها مستوطنات، وليست في الحرمان السياسي للفلسطينيين بل في من يرفض الصمت عنه.
الاستيطان ووهم تجاوز فلسطين
الأكثر فجاجة في الحملة ضد قطر هو تجاهل تاريخ ملف غزة. فالمساعدات القطرية لم تدخل القطاع عبر عملية سرية أو عبر تحدٍّ لإسرائيل، بل جرت ضمن ترتيبات معروفة وبموافقة وبعلم من المجتمع الدولي والولايات المتحدة والحكومة الاسرائيلية. كان الهدف منع الانهيار الإنساني والاقتصادي الكامل في قطاع محاصر أشبه بسجن كبير تحول اليوم الى دمار.
لقد كانت قناة قطر مع حماس مفيدة عندما يراد منها التواصل غير المباشر مع حماس، أو ترتيب تهدئة، أو معالجة ملف رهائن، أو التفاوض بشأن المساعدات الإنسانية. لكن ما إن تتعثر السياسة الإسرائيلية أو تفشل عملياتها العسكرية في تحقيق أهدافها، حتى تصبح قطر فجأة «شريكًا في الجريمة».
هذه سياسة انتقائية انتهازية قطر مطلوبة حين تؤدي دور الوسيط الذي لا تستطيع إسرائيل أو الولايات المتحدة الاستغناء عنه في هذا الصراع، ومتهمَة حين يصبح وجودها مفيدًا لتبرير الفشل. يريدونها قناة اتصال عند الحاجة، ثم يريدوا محاكمتها لأنها تملك قناة اتصال. وهي مفارقة لا تكشف تناقضًا دبلوماسيًا فحسب، بل تكشف رغبة في إعادة كتابة الوقائع لخدمة خطاب سياسي مأزوم.
ان المعضلة الأعمق تكمن في المشروع الذي روّج له نتنياهو وحلفاؤه لسنوات: بناء شرق أوسط جديد يتجاوز الفلسطينيين. التصور كان بسيطًا ومضللًا في آن توسيع العلاقات مع الدول العربية في الأمن والتكنولوجيا والتجارة والاستثمار، مع إبقاء القضية الفلسطينية في غرفة الإدارة الأمنية، لا على طاولة التسوية السياسية.
كان المطلوب تطبيعًا بلا إنهاء للاحتلال، واندماجًا اقتصاديًا بلا وقف للاستيطان، وسلامًا إقليميًا بلا عدالة للفلسطينيين. إلا أن هذا المشروع لم يكن رؤية للسلام، بل محاولة لشراء الوقت وإدارة الصراع إلى أجل غير مسمى.
وقد أثبتت الأحداث أن فلسطين لا تختفي لأنها أُزيحت من بعض البيانات المشتركة، وأن تجاهلها لا يصنع استقرارًا بل يؤجل الانفجار. لا يمكن لإسرائيل أن تطلب من المنطقة التعامل معها كدولة طبيعية، فيما تواصل فرض واقع غير طبيعي على ملايين الفلسطينيين. ولا يمكن أن تبني سلامًا دائمًا على أنقاض حقوق شعب كامل.

من يهدد استقرار الشرق الأوسط ؟
من المفارقات الصارخة أن تُتهم قطر بأنها مصدر لعدم الاستقرار في المنطقة، في وقت وسّعت فيه إسرائيل دائرة استخدام القوة من غزة إلى لبنان وسوريا، وصولًا إلى الحرب مع إيران، بحيث تحولت المواجهة العسكرية من أداة استثنائية إلى جزء شبه دائم من إدارة الإقليم مع استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في جبهات أخرى. 
ومع ذلك، يُراد إقناع الرأي العام العالمي بأن تمويل جامعة، أو دعم مركز أبحاث، أو وجود قناة إعلامية، يمثل تهديدًا أخطر من الاحتلال والاستيطان والحروب العابرة للحدود. هنا تظهر المفارقة بوضوح: من يوسّع جغرافيا الصراعات والحروب يتهم الآخرين بصناعة عدم الاستقرار، ومن يجعل القوة العسكرية لغة أساسية في التعامل مع محيطه يقدّم نفسه بوصفه الضحية التي تحتاج إلى الحماية.
قطر ليست أصل الأزمة، ولن تكون؛ فالأزمة الحقيقية تكمن في احتلال مستمر، واستيطان يتوسع، وأفق سياسي يُغلق عامًا بعد عام، وإصرار على إدارة الصراع بمنطق القوة بدل معالجة جذوره والاعتراف بحق الفلسطينيين في الحرية والدولة والكرامة. ومهما اتسعت حملات التشويه ومحاولات البحث عن خصوم في الخارج، فإنها لن تستطيع إخفاء السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في المنطقة والعالم: من الذي أفشل السلام فعلًا؛ من يسعى إلى وقف الصراعات وفتح أبواب التفاوض، أم من يوسّع دائرة الحرب ويغلق أبواب السلام؟

التعليم في قطر: بين إدارة المؤسسات وصناعة المستقبل

ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...

العرب ومعركة الحاضر والمستقبل

ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...

تمجيد المستعمر الذي بنى لنا الطرق!

ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...

بين الردع والوساطة.. كيف يفكر الخليج؟

بين حين وآخر يعود السؤال نفسه، بصيغة تحمل من الاستغراب أكثر مما تحمل من التحليل: كيف يمكن لدول خليجية تعرّضت أراضيها للاعتداء الإيراني، بالصواريخ والمسيّرات أو عبر أذرع ووكلاء، أن تستمر في التوسط بين طهران...

عبد الناصر.. بعيدًا عن التقديس والانتقام

كنت أسأل نفسي كثيرًا: لماذا أحبّ أبي، وقبله جدّي، جمال عبد الناصر إلى ذلك الحد، رحمهم الله جميعًا، حتى إن صورته ظلّت معلّقة لمدة طويلة في مجلس بيت العائلة القديم، رغم الانكسارات القاسية التي ارتبطت...

المحور الثالث: نحو إعادة تشكيل الأمن العربي والإقليمي

يستحق تقرير (اتفاق مكة للدفاع المشترك: تحولات القوة ومستقبل الأمن الإقليمي)، تقديرًا خاصًا، ليس فقط لأنه يضع قضية استراتيجية شديدة الحساسية في صلب النقاش، بل لأنه يأتي في لحظة تتغير فيها قواعد القوة في المنطقة...

بين الاعتداءات والاتهامات.. مأزق المقاربة الإيرانية تجاه الخليج

ليس من السهل العثور على مثال أكثر وضوحًا على التناقض في السلوك السياسي من أن تعتدي دولة على دولة أخرى، ثم تطلب منها أن تتوسط لإنقاذها من حرب، قبل أن تعود بعد أشهر لتتهمها باحتجاز...

وهم الانتصار... عندما تصبح الهزيمة عقيدة

من المعضلات التي يعيشها النظام الإيراني اليوم، في أن الكثير من أنصاره يعتقدون أن مجرد استمرار النظام وعدم سقوطه يعني أنه انتصر. لكن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فالحروب لا تُقاس بمن بقي واقفًا، بل...

اتفاق مكة: نحو هندسة أمنية جديدة للخليج

لا ينبغي النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه مجرد اتفاق عسكري جديد يُضاف إلى منطقة مثقلة أصلًا بالتحالفات والتفاهمات والبيانات المشتركة. أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في بنوده، بل فيما...

أفول عصر المعونات الأمريكية

بينما هيمنت الحرب ضد إيران، ومستقبل برنامجها النووي، وآفاق الصراع في الشرق الأوسط على معظم النقاشات التي شاركت فيها خلال الأيام الماضية مع باحثين وخبراء في عدد من مراكز الدراسات الأمريكية في واشنطن، برز ملف...

بين المغرب وإسبانيا حكاية مدينتين

قبل أكثر من قرن ونصف، افتتح تشارلز ديكنز روايته الأجمل (حكاية مدينتين) بجملته الشهيرة التي أصبحت واحدة من أشهر افتتاحيات الأدب العالمي (كان أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة)، لم تكن الرواية مجرد قصة تدور بين...

عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق...