


عدد المقالات 336
بغض النظر عن مصطلح (الإرهاب) ودلالاته وتطبيقاته، هناك جرائم عدوانية وبشعة ترتكب بحق المدنيين والأبرياء لا ينبغي أن ينكرها أحد، ولا ينبغي أن تتأثر بالمجادلات العلمية أو السياسية حول مفهوم الإرهاب، فهي أكبر من الإرهاب نفسه، وأبشع من البشاعة نفسها، وأهل السنّة يعلمون أن هناك عددا من أبنائهم قد تورّطوا بالفعل في مثل هذه الجرائم، بعد أن تمرّدوا على كل شيء و (خرجوا) أو (مرقوا) عن بنية الأمة الثقافية والحضارية، وهم مدانون عندهم إدانة متواترة ومتوالية إلى حد يقرّبها من الإجماع، بحيث إنك لا تكاد تجد عالما معتبرا في طول الأمة وعرضها قد رضي عن هؤلاء أو برّر لهم، حتى من أولئك الذين تعرّضوا للظلم والاضطهاد وعاشوا الظروف نفسها التي أنتجت مثل هذه الحالة النشاز، فها هم علماء بغداد والبصرة والموصل والأنبار وديالى وصلاح الدين الذين قدموا المئات من الشهداء والمعتقلين في سجون الاحتلال الأميركي ثم في سجون المالكي والعبادي، وهم لا تنقصهم الشجاعة في قول الحق، فقد عرفتهم ساحات المقاومة ومنصّات الاعتصام، وخطاباتهم ومواقفهم مسجلة وموثّقة، فما الذي جعل هؤلاء يجمعون على النأي بأنفسهم عن (البغدادي) و (دولته)؟ وهذا الموقف ذاته هو موقف علماء سوريا الذين يواجهون اليوم ظروفا استثنائية قاهرة تبيح لهم الاستعانة بالنائي البعيد فضلا عن الصديق والقريب، وهؤلاء علماء السعودية المعروفون بمنهجهم السلفي الحازم، والذين يشعرون اليوم بالخطر (الإيراني) (الرافضي) الجاد ومع هذا لم يفكروا بالاستفادة -على الأقل- من (الإرهاب السنّي) في مواجهة (الإرهاب الشيعي)، والأمة كلها من مصر والسودان إلى تونس والمغرب ثم تركيا وماليزيا وغيرها وحتى غزة المحاصرة بحراب اليهود وظلم الحدود لم تفكر بالاستعانة بهؤلاء، فهل كل من ذكرت يتعاملون (بالتقية) أو أنهم فضّلوا (فتات الدنيا) على قيم الجهاد والشهادة والسعادة الأخروية؟ الموقف السنّي إذاً هو موقف أصيل ومبدئي ونابع من ثقافة متجذّرة وقيم دينية وسلوكية غير مصطنعة ولا متكلفة، والسؤال هنا: هل الأطراف الأخرى التي تتحالف اليوم لمكافحة الإرهاب تمتلك فعلا مثل هذه الروح في تعاملاتها ومراجعاتها؟ لقد استهلّ الأميركان مشروعهم (الحضاري) بضرب مدينتي هيروشيما وناجازاكي بالقنابل النووية، فراح من المدنيين في يوم واحد ما يزيد على مائتي ألف من رجال ونساء وأطفال، ثم كرروا هذا النهج نفسه مع العراقيين بأسلحة اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض، حتى زاد عدد الضحايا منهم على أمثالهم من اليابانيين، وما زال العالم ينتظر من الإدارات الأميركية المتعاقبة موقفا أخلاقيا واحدا لمواساة أولئك الضحايا وذويهم ولو بالاعتذار! ولكن دون جدوى، فهل نصدّق بعد هذا أنهم جادّون فعلا بقيادة الأرض نحو قيم (الديمقراطية) و (السلام العالمي)؟ في الوجه الثاني يستهل الشيعة عصرهم الجديد بمقولة (تصدير الثورة) لتستعر حرب الثماني سنوات، ثم تتكون الخلايا (الثورية) في أكثر من بلد عربي، تحمل السلاح، وتجتاز الحدود، وتصادر قرار الدولة، وتنزع عنها هيبتها وسيادتها، وهذا ما حصل في العراق ولبنان، ويحصل اليوم في اليمن، وهناك بشاعات متكررة وصلت إلى حد انتهاك الأعراض، فلم ينكرها مرجع، ولم يحقق فيها حاكم! والحقيقة أننا لو قمنا بمحاكمة عادلة وفق النتائج الرقمية للعمليات الإرهابية، فإننا سنكتشف أن (الإرهاب السنّي) يأتي في ذيل القائمة، فمجموع ضحاياه من كل الجهات -بما فيها الجهة السنّية نفسها- لا يكاد يصل إلى نسبة مقروءة بالنسبة للإرهاب المزدوج أو المنفرد أميركيا وإيرانيا. بالمعيار التكويني لشخصية الفاعل، وهو معيار معتبر في المحاكمات العادلة، نجد أن الكفّة تميل بقوّة لصالح (الإرهاب السنّي)، فالفاعل هنا هم ممن يطلق عليهم (سفهاء الأحلام) (حدثاء الأسنان)، وهناك نحن نتكلم عن (آيات) و (حكومات)، هنا نتكلم عن مجموعات فوضوية مارقة ومتمرّدة، وهناك نتكلم عن دول ومؤسسات وبرلمانات. يعرف القضاء أيضا مصطلحا جديرا بالملاحظة وهو مصطلح (الظرف المخفف)، فالجريمة التي ترتكب في ظرف استثنائي تختلف عن الجريمة ذاتها إذا ارتكبت في ظرف اعتيادي، فالقتل الذي يحدث مثلا نتيجة شجار طارئ يختلف عن القتل الذي يحدث عن (ترصّد) و (سبق إصرار)، وإذا صحّ تطبيق هذه القاعدة على العمليات الإرهابية فإن (الإرهاب السنّي) سيكون الأولى بالأحكام المخففة، فالسنّة اليوم يعيشون تحت الضغوط الثقيلة التي تضيّق أمامهم خيارات الحل، فكلما جرّبوا طريقا أو سلكوا مسلكا واجهتهم الأبواب الموصدة، والرسالة التي يتسلّمونها بعد كل تجربة أنهم مرفوضون صقورا كانوا أو حمائم، يحملون السلاح أو يحملون البطاقات، وما تعرّض له عدنان الدليمي وطارق الهاشمي ومحمد الدايني ورافع العيساوي وأحمد العلواني وغيرهم الكثير قد أكّد مضمون هذه الرسالة، حتى أصبح معتادا مع كل دورة انتخابية أن يستعد السنّة لتقديم قرابينهم! وحتى بعض (العشائر السنيّة) التي انضمت إلى مشروع (الصحوات) بالاتفاق مع الأميركان والحكومة المركزية قد تُركوا في الآخر ليواجهوا مصيرهم بين مطرقة (ماعش) وسندان (داعش)، وهذه ليست أخطاء (مطبعية) قابلة للتصحيح! بل هي خطوات ممنهجة ومدروسة للتغرير بالشباب السنّي ودفعهم دفعا على طريق الإرهاب، ومن ثمّ يكون (المجتمع الدولي) قد أعدّ (قراراته المسبقة) وعدّته اللازمة للتعامل مع هذه الحالة وحرق المنطقة كلها أخضرها ويابسها. لقد كنت أستمع للرئيس بوش وهو يوجّه خطابه للأميركيين: (لقد نجحنا في تجميع الإرهابيين من مختلف أنحاء العالم في هذه البقعة -العراق- وهنا سيتم القضاء على الإرهاب)، وقد ساءني أنّ هناك من صدّق هذه الفرية من الأميركيين وحتى من العرب، والحقيقة أن بوش قد نجح في تحويل (المسالمين) إلى (إرهابيين) ونجح في تحويل العراق كله إلى ماكينة عملاقة لصناعة الإرهاب بشقّيه الشيعي والسنّي. إننا نستطيع أن نجزم وبمنطق علمي وموضوعي أن (الإرهاب السنّي) ليس صناعة سنّية، بل هو جزء من مشروع كبير ومعقّد يبدأ بـ (تصدير الثورة) و (الفوضى الخلاقة) وينتهي بـ (سايكس بيكو جديد) و (تصحيح الأخطاء التاريخية). • drmaiash@facebook.com @maiash10
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...