


عدد المقالات 369
يقول السيد الصادق المهدي في نقده للوثيقة الدستورية (كان ينبغي أن يتم النص على أن الإسلام هو دين أغلبية السودانيين، وأن لدعاته الحق في التطلع لتطبيق تعاليمه، بشرط الالتزام بحقوق المواطنة المتساوية وحرية العقيدة لكل الأديان والالتزام بالنهج الديمقراطي).. فلماذا ألحق المهدي بدعوته إلى النص على إسلامية الدستور شروطاً شارحة لا تتضمنها في العادة الدساتير، حيث يتميز الدستور بنصوصه القصيرة الجامعة؟ الشروط تكشف بوضوح إقراراً من المهدي بأن النص على الإسلام في الدستور لا يفهم منه تلقائياً فهماً واحداً محدداً، الشيء الذي يعني أن الاكتفاء بنص دستوري مثل (الإسلام دين الدولة) أو (الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع) يمكن -بسبب اختلاف مفاهيم تحكيم الإسلام- أن يهدد حقوق المواطنة وحرية الاعتقاد والنهج الديمقراطي، ويهدد حقوق المرأة، ويحرّم الفنون، ويبيح السبي والاسترقاق، ما لم تلحق بالنص الدستوري الديني ملاحق وشروح وتوضيحات وضمانات، هي في الحقيقة مبادئ ديمقراطية واضحة الدلالة يكفي تضمينها في الدستور كمبادئ دستورية أصيلة، لا ملاحق تزيل اللبس والغموض عن نص دستوري مبهم. ويبرهن حرص المهدي على إضافة هذه الشروط أن في النص ثقوباً بل وفخاخاً خطيرة. وهو ما لا تكون معالجته بوضع شروط وشروح، بل بطرح فكري عميق يفند فكرة الدولة الدينية، فتسقط تلقائياً هذه المخاوف؛ لكن يبدو أن المهدي لم ينج من التباس يقع فيه العوام وكثير من المتعلمين. أما العوام فلهم فهم معمم عن (كمال) الدين ينقلهم تلقائياً إلى فهم خاطئ أن للإسلام بكماله رؤية محددة لإدارة الدولة، مثل تحديده المفصل لكيفية الصلاة. وعليه يجب على المسلم أن يلتزم بتصور الدين للدولة حتى لا يخالف أمراً دينياً. وتطابق جماعة متعلمة بين النبوة المقدسة التي تقابل تعاليمها بالتسليم، والخلافة كتجربة بشرية غير ملزمة للمسلم؛ فتجعل المطابقة بين النبوة والخلافة، الدولة الدينية بقداسة النبوة ذاتها. ويتعامى أهل هذا الرأي عن رؤية أخطاء شنيعة صاحبت الدولة الإسلامية بما فيها دولة الخلافة، على أن التعامي يحفظ قداسة مدعاة لتجربة ما بعد النبوة. يكشف هذا الخلط أن هؤلاء المتعلمين المتوهمين وجود (مثال) واحد للحكم هم ضحية لمنهج فكري غير صحيح. وقد كانت وما زالت المناهج المدرسية سبباً في تكريس هذا الخطأ حيث يتلقى التلميذ درس السيرة النبوية بالتقديس المستحق، ثم ينتقل لدرس الخلافة بالفهم ذاته، وكأن الخلافة تحتفظ بقداسة وعصمة النبوة. استغلت نخبة سياسية الارتباك الفكري المشار إليه فعمدت إلى الترويج لهذه المفاهيم المغلوطة حتى تضفي على برنامجها الحزبي العادي قداسة دينية، تحصنه من المناقشة والتقييم، و(تفرضه) كأمر إلهي؛ إلا أنني لا أركز في هذا المقال على هذه الفئة الأخيرة، بل على الأولى والثانية، باعتبارهم ضحايا ضحالة فكرية يمكن تصحيحها، وهي حالة لا تتلبس الصادق المهدي وحده، فقد ارتبطت الدعوة للدستور الإسلامي بتنظيمات سياسية مصنفة ضمن قوى الوسط، بما فيها الحزب الوطني الاتحادي الذي صُنف بعد استقلاله عن الطائفتين كمعبّر عن تيار الوسط المستنير؛ لكنه لم يكن بالتفوق الفكري الذي يؤهله لإدراك خطر الدعوة المعممة لدولة إسلامية. هذا التيه الفكري يضاعف مسؤولية قوى الاستنارة في بث الوعي حول حقيقة الدولة الدينية. وقد يكون أنسب المداخل للموضوع هو التعريف بأن الدولة -كفكرة سياسية- تتعدد أشكالها وتختلف مضامينها. هذه الحقيقة تحتم وجود مفاهيم، ومن ثم تيارات وتنظيمات مختلفة في المجتمع، ولو كان كله من المسلمين. ولا يحق لأي من هذه التيارات أن يصف نفسه بأنه إسلامي، ولو أكد على كل المبادئ الديمقراطية، فغيره ممن يصف نفسه إسلامياً أيضاً يرى تعارضاً بين الإسلام والديمقراطية، وثالث يوائم بين الإسلام والاشتراكية، ورابع يرى الاشتراكية كفراً، وخامس يرى أن تحريم الفنون وسبي النساء واسترقاق الرجال من أركان دولة الإسلام المجاهدة.. لذا يصبح ضرورياً عدم إلحاق الصفة الإسلامية بالدولة أو ببرنامج الحزب؛ لأنها لا تفيد معنى محدداً، فإذا كانت تعني المبادئ الديمقراطية فإن ذكر الإسلام يكون تزيُّداً.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...