alsharq

د. محمد عياش الكبيسي

عدد المقالات 336

التعليم المعاصر وإشكالية التنازع القيمي(2-2)

06 أكتوبر 2015 , 12:15ص

إن هناك بونا شاسعا بين التعليم الذي يقوم على أساس (التعليم للتعليم) أو (التعليم للشهادة) أو (التعليم للسوق) -مع ما بين هذه المستويات من تفاوت- وبين التعليم الذي يقوم على أساس (بناء الإنسان) و(نهضة الأمة)، إنهما في النهاية فلسفتان مختلفتان تمام الاختلاف، وينعكس هذا الاختلاف في كل مراحل التعليم ومفرداته، بدءا من (دافعية التعلّم والتعليم) مرورا بالعلاقة البينية بين (أركان العملية التعليمية)، وصولا إلى (الأداء الوظيفي) لما بعد التخرّج. في تراثنا الإسلامي كان (المتعلّم) هو القدوة والمثال الجيد في مجتمعه، فالعلماء (ورثة الأنبياء)، وهذه الوراثة لا تخصّ التعليم الديني فقط، فالقرآن يشير في غير موضع إلى مجالات العلم المختلفة بنظرة واحدة، ففي قصة يوسف- عليه السلام- وسياسته التي اعتمدها لإنقاذ شعب مصر من الهلاك وإدارة الملفَّات المعقَّدة في ذلك الوقت، جاءت التعبيرات القرآنية (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) و(كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)، وفي التفكر العميق والواسع في مفردات هذا الكون يقول القرآن: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ). إن ربط التعليم بالمنظومة القيمية الحاكمة في الأمة يجعل من هذا التعليم رافعة كبيرة للنهوض بالأمة وتحقيق أهدافها وطموحاتها، حتى لو كانت هذه المنظومة منظومة (أرضية) لا صلة لها بالثواب (الأخروي)، ومصداق ذلك الدور الكبير الذي تحمّله التعليم في أوروبا وأميركا والصين واليابان مع ما بين هذه الدول من تباين في الدين والقيم والنظرة الكلية للكون والحياة. فالتعليم المنبثق من عقيدة الأمة وفلسفتها ومنظومتها القيمية يجعل المخرجات العلمية تسير في نسق واحد وعلى طريق واحد ووفق معايير موحّدة أيضا، مع ما فيها من تخصصات مختلفة واجتهادات متنوعة، فالياباني مهما كان رأيه واجتهاده فإنه يعمل للأمة اليابانية ووفق الأعراف والقوانين الاجتماعية الحاكمة حتى كأنك تتعامل مع نسخ متشابهة من حيث الأداء وأخلاقيات العمل والالتزام بالنظام العام. إن الهبوط بالتعليم من كونه (رسالة الأمة) إلى كونه (حاجة شخصية) تختلف باختلاف الأشخاص وثقافاتهم ومصالحهم، والتي تدور في الغالب ما بين (تأمين الوضع المعيشي) أو (تأمين المكانة الاجتماعية) قد جعل المخرجات العلمية أشبه باللبنات المتناثرة التي لا يجمعها جامع ولا يربطها رابط، وأصبحت الحاجة الشخصية هي المثل الأعلى الذي يلهث خلفه الناس حتى على مستوى (البحوث العلمية)، فالباحث اليوم لا يبحث في المسائل التي تحتاجها الأمة بقدر ما يبحث عن المواضيع السهلة أو تلك التي لا تسبب له مشكلة، ويكون الدافع الأساسي هو الحصول على الشهادة أو الترقية الوظيفية، ومن ثم تجد عندنا آلاف البحوث التي لم يسمع بها أحد لأنها بالأساس وُلدت في غرف معزولة عن حركة الأمة وتطلّعاتها وإشكالاتها. لقد رفعت بعض الجامعات شعار (الطالب محور العملية التعليمية) وهذا تطوّر جيد، وفيه تنمية الحس المسؤول لدى (الإدارة التعليمية) فهي موجودة بالأساس لخدمة الطالب، وليست سلطة فوقية عليه، وكذلك بالنسبة للأستاذ (المعلّم) فهو موجود لخدمة الطالب كذلك، إلا أن الخوف يكمن في التفسير العملي لهذا الشعار، فثقافة الطالب اليوم المنبثقة من (الحاجة الشخصية) وليس من (رسالة الأمة) ستجعل العملية التعليمية كلها كأنها تسير لتحقيق هذه الحاجة، وربما يظهر هذا في (التعليم الأهلي) أكثر منه في التعليم الحكومي. إن جنوح المعلم إلى تحديد صفحات من (ملزمة) أو كتاب حتى على مستوى التعليم الجامعي ليس بالضرورة أن يكون نابعا من قناعة ذاتية أن هذا هو الأفضل للطالب، بل هذا هو الذي يريده الطالب، وهو كذلك يعين على صياغة (الاختبارات الموحّدة) التي تقنع الطلّاب بوجود (وحدة قياس عادلة ومنضبطة)، وهذا من شأنه أيضا أن يحمي الأستاذ من (لجاجة) بعض الطلاب واعتراضاتهم، وفي هذا السياق يأتي التركيز أيضا على (الأسئلة القصيرة) التي لا تحتمل إلا صوابا قاطعا أو خطأ قاطعا! إن اعتماد الدرجات المحددة والموحّدة بهذا الشكل من شأنه أن يحمي الطالب من (مزاجية) بعض المعلّمين لكنه في الوقت ذاته يساهم في خنق (المعرفة) وتحويلها إلى حروف صامتة وأرقام محفوظة لا فضاء لها ولا روح فيها، وكأنها معلومات يتم تخزينها في شرائح إلكترونية ثم نقوم باختبار كفاءة هذه الشرائح في نهاية الفصل. إن الخوف من (الإهمال) أو (التحيّز) ومن ثَم (الظلم) وارد في كل مجالات الحياة، لكن ينبغي ألا يطغى هذا الخوف على كل شيء بحيث يؤثّر سلبا على جوهر الفكرة وأصل الموضوع. في مجلس ضم عددا من الإخوة الأطبّاء سألتهم: هل كثرة الإحالة إلى مختبرات الأشعة وتحليل الدم ونحوها نابعة فعلا من حاجتكم إلى التشخيص؟ قالوا: لا، بل هي نابعة من حاجتنا إلى التوثيق، فالتشخيص السريري قد يكون كافيا وهو الأفضل للمريض صحيا وماديا، لكنه يصعب توثيقه، وبالتالي لا نستطيع أن نحمي أنفسنا في حالة حصول أي إشكال. إن مصلحة الطالب في مقابل مصلحة الأمة، وعدالة الأوراق في مقابل عدالة الضمير، ووحدة القياس في مقابل موسوعية المعرفة ومسؤولية التربية، ونحو ذلك كله داخل في باب (التنازع القيمي) الذي يعاني منه التعليم المعاصر، والذي يتطلب منهجية شاملة ومتوازنة ومبنية على أساس الصورة الكلية للمخرج التعليمي الذي نريد. • drmaiash@facebook.com @maiash10

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (4-4)

هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (3-4)

المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (2-4)

إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...

لماذا هذا الهجوم المتزايد على صحيح الإمام البخاري؟ (1-4)

يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...

جريمة نيوزيلندا في إطارها الأوسع

لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...

وقفة مع التجربة الإسلامية في السودان

قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...

خطوات سليمة لبناء مناهج التربية الإسلامية

بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (3-3)

إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (2-3)

من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (1-3)

التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...

حينما تتبرقع الباطنية بشعارات التجديد (2-3)

تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...

حينما تتبرقع الباطنيّة بشعارات التجديد (1-3)

الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...