


عدد المقالات 356
الجيرة حاجة بشريةٌ؛ فالإنسان بطبعه كائنٌ اجتماعيٌّ، كما يقول ابنُ خلدون، ولو تأمَّلنا صحائف الشعراء لوجدنا الإنسان يتحسّس كل ما حوله، ليأنس إليه ويأوي. فها هي أحلام امرؤ القيس تتكسر على نتوءات الزمن، فيلتفت يمنة ويسرة، ثم يخاطب قبر قريب منه قائلًا: أَيا جارَتا إنَّ المزارَ قريـبُ وإني مقيمٌ ما أقامَ عسيبُ أَيا جارتا إنّا غريبان هاهنا وكلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ ويؤكد الإسلام حقّ الجيرة، ويعطيها مركزية كبرى إلى حد بلغ فيه أن جعلها مرآة تعكس الإيمانِ الكامن في الصدور. فضلًا عن أن الإسلام ينزعُ غطاءَ الرحمة عن كل من لا يأمن جارُه بوائقَهُ. ومما يروى في الأثر أن الجيرة جمعت شاعر العراق الجواهري بامرأةٍ، ثم جاءت عوامل الزمان فتباعد بيتاهما، ولَم يبق إلا بعضُ ذكريات خبأَها كل منهما في حنايا قلبه. وبعد أمدٍ، نزل الجواهري على امرأة في بوادي بغداد، فاستقبلته هاشَّة باشَّة، وما هي إلا لحظات، حتى تبيّن سحنتَها، وتذكَّر الزمن القديم، فسطَّر ذلك في نونيَّتِهِ الشهيرة التي حوت تأملات لافتة إلى تبدل الأحوال وتقل الجيرة، يقول فيها: يا أمَّ عـوفٍ عجيبات ليالينا يُبعِدنَ أشياءَنا الكُبرى ويدنينا في كلِّ يومٍ بلا وعي ولا سببٍ يُنزِلنَ ناسًا على كُرهٍ ويُعلينا وقديمًا، جعل العربُ للجار حقوقًا، ثمَّ جاء الإسلام وركَّزها وجعلها قانونًا وشرعًا، وجعل عمادَ الجيرة والإحسانَ والبذلَ والتغاضي والتنازلَ عن بعض الحقوق إحسانًا وكرمًا. وهي معانٍ مبثوثة في ديوان العرب. فهذا عنترة يقول: إني امرؤ سمْحُ الخليقة ماجدٌ لا أتبعُ النفسَ اللجوجَ هواها وأَغضُّ طرفي ما بدَتْ لي جارَتي حتى يواري جارتي مأواها وجعل العرب الجار أقسامًا: فمنه الجار المصاقب، ومنه الجار القريب الذي يقولون فيه: «فلانٌ جاري بيتَ بيتَ». والجيرة حبل مودة ووصال، ولذلك يؤكّد الإسلام ضرورة البذل لإرساء دعائمها. «يا معشر نساء المؤمنين لا تحقرنّ جارة لجارتها ولو فِرسِنْ شاةٍ». وكم حرَّكت المنازل لواعج الشوق عند الشعراء، فبكوا وأُجهشوا بالعَبَرات، وهم يتذكرون جيرة جمعتهم بالأحباب في تلك المنازل. فيقول البوصيري معبراً عن ذلك: أمِنْ تَذَكُّرِ جِيران بِذِي سَلَـــمٍ مَزَجْتَ دَمْعًا جَرَى مِنْ مُقْلَة بِدَمِ ولربما تنعم الشاعر واستظل بظلال جيرة فضّلها على غيرها، فقال: وما علينا إذا ما كنت جارتنا ألا يجـاورنا إلاك ديَّار فلنحافظ على الجار أنى كان؛ جارَ قربى أو جارَ جنب، أو صاحبَ بالجنب.
أبدأ حديثي بشهادة لمستشرق شهد بالحق فقال: «ما زالت مؤلفات المسلمين في الجغرافيا تحتل مكانًا مهمًّا حتى يومنا هذا؛ لأن المعلومات التي تتضمنها تزيد في علمنا بالجغرافيا التاريخية المتعلقة بالبلدان التي تناولتها هذه المؤلفات، وبناءً...
إن الناظر في أسماء الله تعالى وصفاته الكريمة، يجدها منقسمة بين الجمال والجلال، وإننا في هذا السياق سننظر في اسم الله الجميل الخاص في ذاته، العام في أسمائه وصفاته، وقد ورد اسم الله الجميل في...
في الوقت الذي لم يكن فيه للحيوان أيُّ نصيب من الرفق، وفي الوقت الذي كانت بعضُ الأمم تتخذه وسيلةَ لهوٍ في مناسباتها وطقوسها، ظهرت الحضارة الإسلامية التي جاءت رحمةً للعالمين، وظهرت بثوبٍ ربانيّ لم تلبِسْه...
اسم الله الحميد، اسم عظيم، تلهج به الألسنة في الغدو والإبكار، ويتسيَّدُ التسابيح والأَذكار، وإذا كان قوله تعالى «اِقْرَأ» هو الكلمة الأولى وحيًا وتنزيلًا، فإنَّ كلمة «الحمد» هي الأولى تلاوةً وترتيلًا، فنحن على موعد لا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأة شاهدة على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعة أحداثها، ورافعة عمادها، بمشاركة الرجل، وهي سر الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدت نصفه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
حاضرة عظيمة مقدسة، خلق الله منها الأرض ومنها دحيت، هي أم الدنيا بحواضرها ومدنها وقراها وكل ناحية فيها، هي العاصمة العالمية للأرض، وهي أم الثقافات الإنسانية جميعا، وما فيها من تراث معنوي ومادي، إنها المكان...
إنّ بناء الحضارة الإسلامية الماديّ والمعنويّ يصيبُ من يقلِّب صفحاتِ التاريخ بالانبهار والإعجاب، وليس ذلك فحسب، بل يُشْعِرُه بالاطمئنانِ على البشريةِ والإنسانيةِ جمعاءَ، وأنّ هناك إمكانيةً لجعل العالم أفضلَ، وخلق فرص عيشٍ آمنةٍ في ظلِّ...
كم هو عظيم أن نقف على أسماء الله عزّ وجلّ متدبرين! وكم هو بديع أن نغوص في أعماقها لنكتشف بواطن معناها وليس فحسب ظاهرها! يقول تعالى في فواتح سورة الحديد: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ...
هل فكّرتم يومًا بحكمة الله من توبتنا من ذنوبنا؟ وهل بحثتم في تفسير قوله عليه السلام: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»؟ وهل حمدتم الله يومًا على وجود التوبة في ديننا وفي علاقتنا بالله...
هل سألت نفسك يومًا: ما الفرق بين الحمد والشكر؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول إن هناك فروقًا جوهرية بين الحمد والشكر، مستقاة من وحي القرآن واللغة. فالشكر أوسع استعمالًا من الحمد، فالحمد لا يكون إلا...
منذ أن خلق الله حواء، والمرأةُ شاهدةٌ على مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي صانعةُ أحداثِها، ورافعةُ عمادِها، بمشاركة الرجل، وهي سرّ الخصب. هي نصف البشرية، وهي من ولدتْ نصفَه الآخر. وما كان للعظماء أن يروا النور...
في غمرة الحياة، وفي بهرج الدنيا وزينتها تتيه عقول كثير من الخلق، إلى درجة يعتقدون فيها أن بقاءهم سرمدي، ومناصبهم راسخة، إلى أن يفجأهم الموت فيقفون أمام حقيقة لا مفرّ منها، وحينها لا ينفع الندم،...