


عدد المقالات 336
في قصّة الخلق الأولى، كان الملائكة يتخوّفون على هذه الأرض ومستقبلها من هذا المخلوق الجديد (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟) وكان الردّ عليهم {وعلّم آدم الأسماء كلّها} ثمّ {فتلقّى آدم من ربّه كلمات}، بمعنى أن هذا المخلوق لن يُترك لوحده، فالكلمات الإلهيّة ستبقى معه تعلّمه وتوجّهه، وهذه هي رسالة الدين، كلما اقترب منها الإنسان ابتعد عن الفساد وسفك الدماء، والعكس صحيح أيضا، {ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكا} {فهل عسيتم إن تولّيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم}. الديانات الوضعية أيضا مع أنّها من صنع البشر إلا أن تأثّرها بالقيم السماوية ظاهر في أدبيّاتها خاصة تلك المتعلّقة بالسلوك والتعامل اليومي مع الحياة والكون والإنسان، ومن هنا نالت هذه المقبوليّة الواسعة في المجتمعات البشريّة، حتى حمورابي لما أراد أن يُلزم شعبه بالنظام العام وقوانين الدولة جعل في مسلّته المعروفة شعارا يوحي بالشرعيّة الدينيّة لهذه القوانين، والحلم الإفلاطوني في صناعة (المدينة الفاضلة) إنما كان ترجمة للحكمة التي تجاوزت عالم المادّة المليء بالأنانيّة والظلم، إلى تصوّر آخر للحياة يتشكّل من خلال الإيمان بالغيب وعالَم (المُثُل). لقد كان الناس يهرعون إلى الدين وربما إلى (رجال الدين) وإلى كلّ ما له صلة بالدين يحتمون به من الظلم والظالمين، ويلوذون به في الأزمات وأيّام المحن والكوارث، خرجنا مرّة من المسجد فوجدنا عددا من الفقراء يسألون المصلّين مما عندهم، فقال لي صاحبي: انظر إلى هؤلاء لماذا لا يذهبون إلى المقرّات الحزبية أو البنوك ومكاتب الشركات؟ لماذا لا يذهبون إلى دور السينما وصالات الفنّ والرقص؟ لماذا يأتون إلى المسجد فقط؟! ظاهرة عمليّة تدلل على قناعة عامة وراسخة أن المسجد هو مكان الرحمة، وأن أهل الدين هم أهل الرحمة. أتذكّر تلك الكلمات التي مضى عليها أكثر من ثلاثين سنة، لأرى اليوم صورة أخرى؛ شباب متديّن اضطرتهم الظروف للهجرة، يرون مظاهر معتادة من السفور الفاضح، فيقول أحدهم بعفويّة: أعوذ بالله، فيردّ عليه أخوه: لماذا تتعوّذ؟ والله إن هذه المظاهر أفضل ألف مرّة مما هو موجود عندنا! وبدأ يسرد له مثالا كيف أنه خرج من الصلاة في أحد مساجد الرمادي وعلى الباب وجد الكارثة؛ الذابح والمذبوح كلاهما يكبّران الله في وسط الزحمة وبين المصلّين حتى فُصل الرأس عن الجسد! هذا المنظر لم يعد نادرا ولا نشازا في كل تلك الأرض التي كانت يوما ما (أرض الحضارات) والتي كان التاريخ يسمّيها (الهلال الخصيب). إن الإنسان قد نجح هذه المرّة ليس في تحقيق شهواته ورغباته وجرائمه بغفلة من الدين، بل في صناعة الدين الذي يريد، الدين الذي يُفسد الأرض ويسفك الدماء باسم الله أو باسم الحسين أو باسم الصليب لا فرق، حتى كتب أحدهم مقالا قبل أيام يقول فيه: ما الذي كنّا نخسره أكثر من هذا لو كنّا بلا دين؟ وكنت أظن أن هذه مجرّد صرخة احتجاجيّة على هذه البشاعات والجرائم التي تمارس باسم الدين، لكنّي فوجئت وصُدمت بحجم هذه الظاهرة التي بدأت تنتشر في الأوساط (المثقّفة)، يقول لي أحدهم: أنا الآن نصف ملحد، ويقول آخر: إن إجرام داعش كلّه مؤصّل في الكتاب والسنّة وأقوال السلف شئنا أم أبينا! وكلاهما من أبناء المساجد ومن البيوتات المتديّنة المعروفة! صحيح أننا نعيش في دوّامة عنف، وأننا في الأغلب الطرف المعتدى عليه، لكنّ الذي يجري هو ليس ردّا للعدوان، بل هو إرهاب أعمى و (فوضى خلاقة) تضرب بكل اتجاه، في مقابل إرهاب موجّه ومحدد الأهداف، ومن ثَمَّ صارت مناطقنا مستهدفة من الإرهابَين معا، وكلاهما يتكئ على المقولات والشعارات الدينيّة، وهذا هو مكمن الخطر، فالقبيلة التي يُذبح منها أكثر من خمسمائة رجل في أسبوع أو أسبوعين بتهمة (الردّة) وبالآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة، ماذا سيكون موقفها من هذه الآيات ومن هذه الأحاديث؟ ومن الإسلام نفسه والدين كلّه؟ خاصّة إذا لم يسمعوا جوابا واضحا من العلماء والدعاة ومن يمثّلون الدين في نظرهم، وهذه ليست حادثة طارئة بل هو عمل ممنهج ومعتاد في أكثر من بلد. لقد ثبت في البخاري وغيره أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال لمعاذ حين بلغه أنّه يطيل في صلاته بالناس: (أفتّان أنت يا معاذ؟) وأعادها عليه ثلاثا، فكيف بمن يجعل الرسالة الإسلامية كلها تحت عنوان (أتيتكم بالذبح) أو (أنا الضحوك القتّال)، والأوّل مجتزأ ومقطوع من سياقه، وروايته بهذا التعميم جريمة علمية وأخلاقيّة، والثاني رواية باطلة لا أصل لها في ديننا. إنّ ثوابت الإسلام ومبادئه الإنسانيّة الكبرى التي أحبّها الناس وتعلّقوا بها، تتعرّض اليوم للتشويه والتحريف نظريّا وعمليّا، وهذا خطر ذاتي وداخلي وله انعكاسات أكبر مما نتصوّر حتى على مستوى ردّ العدوان الخارجي، وهو التبرير الساذج الذي يردده بعض المتعاطفين، فالواقع أثبت أن هذا السلوك قد قتل روح المقاومة في المجتمع، ودفع الناس إلى الموقف السلبي المنتظِر، أو الهجرة المليونيّة، أو طلب الحماية من العدوان الخارجي نفسه! فبينما كانت الثورة السوريّة على مشارف القصر الجمهوري صرنا نرى بعض وجوهها اليوم على أبواب موسكو يستجدون الحل! وبينما استطاع الحراك السنّي أن يجمع السنّة كلهم في انتفاضة لا مثيل لها وبصبر وانضباط عالٍ واستعداد للتضحية، صرنا نرى قادة الحراك لاجئين ومهجّرين، والقبائل التي كانت تسند الحراك بمالها ورجالها تُقاتل الآن تحت عنوان الردّة و (الصحوات)، وحتى الفصائل المقاوِمة الجديدة والقديمة والتي نشطت بشكل ملحوظ في بداية المواجهة، اختفت الآن، والكل يعرف السبب، والأخطر من هذا دقّ الإسفين بين السنّة العرب والسنّة الكرد، ودفع القوات الكردية للتحالف مع الحشد الشيعي بعد استهداف مدنهم وقراهم بلا سبب ولا منطق، والسؤال هنا: من هم السنّة الذين تدافعون عنهم إذا كان كل هؤلاء في خانة الأعداء؟ إن الموقف المسؤول إن لم يرتقِ إلى مستوى التصحيح العملي الميداني فلا أقل من التصحيح المعرفي والثقافي، لدفع هذا التشويه المتعمّد لديننا وتاريخنا وتراثنا، وفوضى الأفكار ليست بأقل خطرا من فوضى السلاح. • drmaiash@facebook.com @maiash10
هناك من يردد سؤالاً آخر مؤدّاه، ماذا نفعل إذا وجدنا في البخاري ما يعارض القرآن الكريم، أو يعارض العقل؟ وهذا السؤال بدأ يتردد مع هذه الموجة كجزء من حملة التشويه ومحاولة النيل من مكانة البخاري...
المسألة ليست مسألة تقديس للبخاري، ولو كانت المسألة كذلك لاتجه الناس إلى موطّأ الإمام مالك إمام دار الهجرة، أو مسند ابن حنبل إمام أهل السنّة، بل لقدّسوا مرويّات البخاري نفسه في كتبه الأخرى، فالمسألة عند...
إن هذا الاضطراب والتخبّط لدى هؤلاء يكشف أيضاً عن جهل عريض في أصول هذه العلوم ومبادئها الأولية، ولذلك لا ترى هذا الطعن إلا منهم ومن أمثالهم، ممن لا علم لهم بالسنّة وعلومها. إن علماء السنّة...
يتعرض صحيح البخاري هذه الأيام لحملة من التشكيك وإثارة الشبهات، مع حالة من الغموض بالنسبة لدوافعها وغاياتها، والعلاقات التي تجمع بين أصحابها، الذين كأنهم تفرّغوا اليوم أو فُرّغوا لهذه المهمة. هؤلاء بالعموم لم يُعرف عنهم...
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو...
قبل ثلاثين سنة، استبشر التيار الإسلامي بالانقلاب الذي قاده الرئيس عمر حسن البشير، وتصاعدت الآمال بالنموذج المرتقب للحكم الإسلامي المعاصر، وصار الناس يتداولون الأخبار والقصص عن زهد الرئيس البشير وتواضعه وحكمته، حتى سمعت من أحد...
بقرار من وزارة التعليم في دولة قطر، تشكلت لجنة من الكفاءات العالية لمراجعة وثيقة المعايير المتعلقة بمناهج التربية الإسلامية. وقد جاء القرار بحد ذاته ليعكس رؤية عميقة وواعدة يمكن تلخيصها في الآتي: أولاً: الاهتمام الخاص...
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما...
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب،...
التاريخ بكل تأكيد لا تصنعه الملائكة، وإنما هو صناعة بشرية بأحداثه ومواقفه ورواياته وتدويناته وتحليلاته واستنتاجاته ومصادره، إلا ما ورد منه بآية قرآنية أو حديث صحيح. هذه المقدمة -التي ينبغي ألا نختلف فيها- تفتح باباً...
تستغل الباطنية اليوم حالة الضعف العام الذي تمر به الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وما يصاحبها من تفكك واضطراب في المنظومة القيمية والعقدية الجامعة، وتراجع مستويات التعليم الديني، وعجز المؤسسات الشرعية والجماعات الإسلامية عن مواجهة التحديات...
الباطنية مذاهب مختلفة، يجمعها اعتقاد باطن للقرآن يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن هو مراد الله تعالى، والمقصد من هذا إنما هو تحريف العقيدة وإبطال الشريعة، وإشاعة الشك والفوضى، وتبديل الأحكام الواضحة بمفاهيم عائمة لا تحق...