معايير السلوك الطائفي 1-3
05 مارس 2013 , 12:00ص
ربما لا يختلف اثنان في خطورة التحدي الطائفي الذي يعصف بمنطقتنا اليوم، ورغم المجادلات والمساجلات الطويلة حول هذا الموضوع والاتهامات المتبادلة لم يتبلور مفهوم محدد للطائفية يمكن الاعتماد عليه في محاكمة الأفكار والسلوكيات، ومع نزول هذا المصطلح إلى الشارع أصبحنا نواجه سلاحا فوضويا يستخدمه الكل ضد الكل.
في مصادرنا العربية والإسلامية لا نجد اصطلاحا منضبطا لهذا المفهوم، وكل النصوص التي بحوزتنا لا تتعدى إطلاق لفظ الطائفة على مجموعة من الناس يتميزون عن الآخرين بشيء ما، سواء كان هذا الشيء مقبولا أم مرفوضا، فمثال المقبول قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) التوبة-122، ومثال المرفوض قوله تعالى: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) آل عمران-154، وقد تجمع الحالتان في آية واحدة مثل قوله: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) الحجرات-9، وقوله: (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) الأعراف-87.
ربما يكون الأقرب إلى مفهومنا اليوم ما ذكره القرآن الكريم عن بعض المجموعات التي تتميز بموقف انشقاقي أو تآمري، مثل قوله: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ) النساء-81، ومن هذا المعنى يمكن أن نصوغ المعيار الأول في تحديد السلوك الطائفي وهو: الانشقاق، فالانشقاق عن الأمة وهويتها وثقافتها مهما كانت دوافعه يمثل علامة فارقة في السلوك الطائفي.
إننا في هذا المعيار لا نتحدث عن الخلافات الفكرية أو السياسية، فهذه ضرورة من ضرورات الحياة، والأمة التي ليس فيها حراك فكري أو سياسي أمة ميتة، ولقد رأينا أن أوج التعدد المذهبي والثقافي في أمتنا كان في العصر العباسي، وهو العصر الذهبي حضارة ومنعة وإنتاجا، بخلاف مرحلة «الرجل المريض» التي مرت بها الأمة أواخر الدولة العثمانية، والتي انتكس فيها الفكر وانكسر فيها القلم.
إن هناك فرقا جوهريا لا يغيب عن اللبيب بين الاجتهاد الفكري أو السياسي داخل منظومة الأمة، والذي سيفضي إلى التنوع والتعدد بالضرورة وبين حالة الانشقاق عن الأمة والعمل خارج منظومتها.
إن كل أمة لا بد أن تكون لها هوية تميزها عن بقية الأمم، وإلا لأصبحت البشرية أمة واحدة، وليس من الصعب تحديد معالم الهوية، وبالتالي ليس من الصعب أيضا تمييز حالات التنوع والتعدد داخل هذه الهوية عن حالات التمرد والانشقاق، وبهذا الصدد يقول المرجع الشيعي البارز حسين المؤيد، والذي أعلن تركه للتشيع مؤخرا في إحدى تغريداته التويترية: (إن الانشقاق عن ثقافة الأمة هو انحراف عن سبيل المؤمنين إلى سبيل الضلال، يؤدي إلى التورط في عقائد وأفكار مخالفة للكتاب والسنة ومنافية للمنطق).
نعم إن أخطر ما نواجهه في هذه الفوضى الطائفية هو اختلاط الأوراق وتداخل المفاهيم، حتى أصبح لدى بعض المثقفين فضل عن غيرهم أن العمل على ترسيخ الهوية الإسلامية والدفاع عنها هو نوع من السلوك الطائفي، وهذا التفكير بحد ذاته هو الأخطر على الأمة ووجودها من كل التحديات الأخرى، فإن الارتباك السياسي أو التراجع الاقتصادي أو حتى الغزو العسكري يمكن لكل أمة أن تتعرض له ثم تتعافى منه بإرادة صادقة وإدارة ناجحة، أما التنازل عن الهوية فمعناه تفكيك للأرض التي نعيش عليها، وتمزيق للخيمة التي نستظل بها، وتشكيك في الآصرة التي تجمعنا، وهذا يعني إلغاء وجودنا بالكامل كأمة وحضارة وتاريخ.
إننا حينما نتكلم عن التحدي الطائفي لا نتكلم عن خلافات مذهبية أو اجتهادية، ولا نتكلم عن مجادلات فكرية ولا منافسات سياسية، فهذا كله مشروع ومقبول، وليس هذا من الطائفية في شيء، إنما الطائفية هي الهوية البديلة التي تصنع فيها كل الأركان والمعالم المطلوبة في صناعة الهوية من الفكرة المحورية إلى التاريخ والتراث والرموز والآداب والفنون، وهذا ما صرّح به علي شريعتي، وهو يدعو إلى تغيير كل معالم الهوية الإسلامية حتى الكعبة، والتي يعتبر الاهتمام بها والطواف بها خطأ، حيث إن الكعبة الحقيقية عنده إنما هي قبر الحسين!! انظر كتابه (التشيع مسؤولية)، وهذا يعني أن الخلاف في قصة علي ومعاوية مثلا لم يكن إلا جزءا من منظومة متكاملة ومترابطة لصناعة الهوية البديلة، وليس خلافا علميا في تقويم مرحلة تاريخية معينة.
ربما كان للتيارات العلمانية والليبرالية دور كبير في هذا الخلط، حيث إنهم رأوا في هذه الأجواء الفوضوية فرصة لفرض تصورات جديدة عن طبيعة الصراع، فمكان أن تكون الصورة هي صورة الأمة المدافعة عن هويتها وتاريخها بوجه التحديات الطائفية، عملت هذه التيارات على تشكيل صورة ذهنية أخرى، وهي صورة (الخلافات الطائفية) وفي هذا مجافاة للحقيقة أولا، ومساواة بين الأمة بكل ثقلها وتاريخها وبين النزعات الطائفية المتمردة على هذه الأمة ثانيا. إن هذه التيارات تعرف قبل غيرها أن أمة عمرها أربعة عشر قرنا وامتدادها الجغرافي يمتد من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي، وقد تربعت على عرش الحضارة والإنتاج المعرفي العالمي في أغلب تاريخها لا يمكن وبكل المقاييس أن توصف هذه الأمة بأنها طائفة، وأن تقارن بمجموعة انعزلت عن كل هذا التاريخ وعاشت في سراديب الباطنية وعقد المظلومية والمحرومية.
إن هذا التضليل الفكري قد مورس على هذا الجيل بعد أن تمكنت الأحزاب العلمانية من القبض على مقاليد السلطة، وأخضعت لهيمنتها المناهج التعليمية والبرامج الإعلامية، وإلا فإننا لو تخيلنا أننا نعيش في أية مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي في عهد الراشدين أو الأمويين أو العباسيين أو الأيوبيين أو العثمانيين، فإننا لا يمكن أن نرى منتميا واحدا لهذه الأمة يتحرج من الاعتزاز بعقيدته وهويته معلنا لها ومنافحا عنها، وما فعله صلاح الدين الأيوبي مع الدولتين الصليبية والفاطمية خير شاهد على هذا، وهذا ما جعله رمزا تاريخيا لهذه الأمة، ولكن صلاح الدين بالمعيار الجديد والمصطنع للطائفية يمكن أن يكون طائفيا من الطراز الأول!
يهدف العلمانيون من نشر هذه الثقافة في بلادنا إلى التخلص من المنافس الإسلامي، فإدراج جميع الإسلاميين والمتدينين -المنتمين لهوية الأمة والخارجين عليها- تحت لافتة الطائفية يتيح للعلمانيين فرصة أوسع لمحاصرة منافسيهم، لكنهم في الحقيقة يقومون بما يشبه من يحاول لفّ الحبل على عنقه، فإن الدعوات الباطنية المشبوبة بروح الانتقام من الأمة ستكون المستفيد الأكبر من هذه السياسات التي تهدف إلى إضعاف روح الانتماء للأمة بعقيدتها وهويتها الأصيلة، وربما كانت التجربة العراقية التجربة الأقسى في هذا المجال، وللأمانة العلمية والتاريخية، فإن صدام حسين أدرك في أول مصادمة له مع حزب الدعوة في الداخل وثورة الخميني في الخارج أن «العقيدة البعثية» غير قادرة على الصمود في المواجهة، فراح يستمد المدد الروحي والمعنوي من رموز الهوية الأصيلة «خالد والحسين وسعد والقعقاع» ثم أتبعها بما عرف بـ «الحملة الإيمانية»، والتي نقض فيها ما كان كتبه بنفسه في كتابه «نظرة في الدين والتراث» لكن هذه الاستدراكات كلها لم تصل إلى مستوى المشروع الناضج والقادر على التعامل مع مثل هذا الملف الشائك والمعقد. إن التيارات العلمانية والليبرالية والتنويرية الناشطة في مجتمعاتنا اليوم لترتكب حماقة بحق أمتها وبحق نفسها أيضا حينما تسهم في إضعاف الهوية الإسلامية الأصيلة، وآن لها أن تراجع حساباتها بدقة خاصة بعد التجربتين المريرتين في العراق وسوريا مع مراعاة الفوارق الموضوعية بين التجربتين.