


عدد المقالات 58
يقول محمد يونس: قبل خمسة وعشرين عاما كنت أدرس الاقتصاد في جامعة بنغلاديش والبلاد تعاني من المجاعة، وكنت أدرس النظريات الاقتصادية المحترمة في الصف بحماس متسلحاً بشهادة الدكتوراه التي حصلت عليها من الولايات المتحدة، ولكن عندما أغادر الصف كنت أرى حولي هياكل عظمية لأناس ينتظرون الموت فكنت أشعر بالأسى. لذلك حاولت أن أكتشف كيف يعيش الناس في القرية المجاورة للجامعة وأردت أن أكتشف إن كان باستطاعتي كإنسان أن أفعل لهم شيئاً. فقابلت امرأة كانت تصنع كراسي من الخيزران، وبعد نقاش طويل اكتشفت أنها تكسب سنتين أمريكيين كل يوم، في البداية لم أستطع أن أصدق أن هناك من يصنع كراسي بهذا الجمال ثم لا يحصل إلا على قدر ضئيل من الربح والسبب أن المرأة لا تملك المال لشراء الخيزران لذلك تقترضه من تاجر يشترط عليها أن تبيع الكراسي له بالسعر الذي يحدده. فسألتها: وكم يكلف شراء الخيزران؟ أجابت: «20 سنتاً». قلت لنفسي: هل من المعقول أن يعاني الناس بسبب 20 سنتا وألا يكون بالاستطاعة مساعدتهم؟ ففكرت أن أكتب قائمة بالأشخاص الذين يحتاجون إلى هذا القدر من المال، وفي اليوم التالي اصطحبت تلميذا لي وتجولنا لعدة أيام في القرية المجاورة، فعدنا بقائمة تتضمن 42 اسماً وحسبت المبلغ الذي يحتاجون إليه ففوجئت بأكبر صدمة في حياتي، لقد كان المبلغ لا يتجاوز 27 دولاراً لاثنين وأربعين من العمال المجدين الماهرين. ولكي أمحو هذا العار أعطيت تلميذي المبلغ من جيبي وقلت له: «أعطه للأشخاص الذين قابلناهم، وأخبرهم أنه سُلفةٌ يُعيدونها عندما يتمكنون من ذلك، وبالتالي فإنهم يستطيعون الآن أن يبيعوا منتجاتهم في المكان الذي يحصلون منه على سعر جيد». وبعدما أخذوا المال شعروا بابتهاج وبدؤوا عملهم بروح جديدة وباعوا إنتاجهم بسعر أفضل، وأرجعوا إلي الدين الذي أعطيتهم. دفعتني رؤية هذا الابتهاج في عيونهم ونجاحهم إلى التفكير فيما يمكنني أن أفعل لهم؟ فذهبت لفرع مصرف يقع في حرم الجامعة واقترحت على المدير أن يقرض البنك المال للفقراء الذين قابلتهم في القرية. فذهل وقال: «هل أنت مجنون؟ هذا مستحيل، كيف يمكننا أن نقرض المال للفقراء؟ قلت: «دعنا نحاول على الأقل» قال: « لا؛ إن قوانيننا لا تسمح بذلك، إنهم لا يستطيعون تأمين ضمان للقرض». وأخيراً وبعد محاولات معه قلت: أنا سأكفل القرض وهكذا يعطونني المال وأعطيه بدوري للفقراء. وهكذا كانت البداية؛ لقد حذروني عدة مرات أن الفقراء الذين سيأخذون المال لن يعيدوه أبدا. قلت لهم: « سوف أجرب»، وكانت المفاجأة أنهم أعادوا كل بنس استدانوه، فشعرت بالإثارة وجئت إلى المدير وقلت له: «أنظر لقد أعادوا المال ولم تحدث أي مشكلة». ولكنه أجابني: «إنهم يخدعونك»، فأعطيتهم مزيداً من المال وأعادوه كاملاً، وعندما أخبرته بذلك قال: «حسنا ربما نجح ذلك في قرية واحدة، ولكنه لن ينجح في قريتين»، ومباشرة جربته في قريتين فنجح الأمر. لقد أصبح الأمر نوعاً من المباراة بيني وبينهم، فخرجت بنتائج لا يستطيعون إنكارها؛ لأن المال الذي كنت أعطيه للفقراء كان مال البنك، ومشكلتهم أنهم دربوا على الاعتقاد بأن الفقراء لا يمكن الوثوق بهم. ولحسن الحظ فأنا لم أكن مدربا بهذه الطريقة من التفكير لذلك استطعت أن أصدق الأمور التي كنت أراها عندما كانت تُظهر نفسها لي. وأخيراً فكرت: لماذا أحاول إقناعهم؟ لماذا لا ننشئ مصرفاً مستقلاً؟ أثارتني هذه الفكرة وكتبت خطة المشروع، وذهبت إلى الحكومة لأحصل على إذن بإقامة المصرف. وبعدما استغرق الأمر عامين استطعت إقناع الحكومة فأصبحنا مصرفاً رسمياً ومستقلاً في الثاني من أكتوبر عام 1983، لقد كان الأمر مثيراً بالنسبة إلينا جميعا أن أصبح لدينا مصرفنا الخاص. ومن المهم أن تعرف إن «مصرف غرامين» اليوم يعمل في أكثر من 46 ألف قرية في بنغلاديش من خلال 2468 فرعاً، ولديه 24703 ألف موظف وقام بإقراض أكثر من 4.5 بليون دولار على شكل قروض صغيرة، حتى إنه يقرض المتسولين لمساعدتهم عن التوقف عن التسول، فإذا فكرنا في التأثير الهائل الذي يتركه هذا المشروع في حياة الناس فسنجد أنه غير حياة فقراء %96 منهم من النساء للأفضل. إن الحلم الذي يمتلك شغاف قلب صاحبه فيجتهد ويضحي في سبيل تحقيقه محتسباً الأجر عند الله يصنع إنساناً صاحب رسالة ذات قيمة يقدم الخير والرحمة للبشرية «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» فامتلاكك حُلماً خاصاً بك تجد به نفسك وتنفع به الناس يحقق ذاتك ويعطي لحياتك معنى، وليس بالضرورة أن تولد الرؤية مكتملة في عقل الإنسان منذ البداية، ولكن بالنية الطيبة والتقدم إلى الأمام يفتح الله عليه بالتدريج كما حصل مع محمد يونس. إن الحلم والرؤية الحية تبهج حياة صاحبها بالسعادة وتجعله يستلذ طعم المعاناة والألم كما قال الشاعر: بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها *** تأتي إلا على جسر من التعب
في ربيع الأول من سنة 41 هـ تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما إلى معاوية بن أبي سفيان عن الخلافة, وعلق المؤرخ ابن كثير على هذه الحادثة قائلاً: «وذلك كمال ثلاثين...
في العام الثامن للهجرة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية في قرابة ثلاثة آلاف فارس إلى البلقاء من أرض الشام لمقاتلة جيش يعد يومئذ أقوى جيوش العالم وأمر عليهم زيد بن حارثة، وقال:...
في يوم من الأيام بحدود 350 قبل الميلاد وقبل غروب الشمس كان فيلسوف الهند الكبير «شاناكيا» -وله أسماء أخرى اشتهر بها مثل «فشنوجوتبا» و «كاوتيليا»- يراقب باهتمام مجموعة من الصبية يلعبون؛ فلفت نظره أن أحد...
كان يُعرف بالفتى المُدَلَّل؛ فكان لا يلبس الثوب الواحد ليومين مُتتاليين، وكان له عِطر يُعرف به بسبب نَشْأته في أحضان أم مُترَفة فعاش في يُسر وسعة. اختار ابن الدار الواسعة السير في طريق الإسلام الشاقة،...
في العقد الأخير من القرن التاسع عشر(1890م) كان هناك شاب في العشرين من عمره يعمل لدى شركة «بوفالو فورج» في «بونالو» بنيويورك، وَعُيِّن في قسم آلات تزويد الغاز في مصنع تابع لشركة «بيتسبرج بلايت جلاس»...
جاءت قريش وشكت النبي إلى أبي طالب فكان جوابه عليه السلام لعمه وهم يسمعون: «يا عم، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية»، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقالوا:...
لقد سرنا سوياً في هذه السلسلة التاريخية والفكرية المسماة «صراع المشاريع» برحلة طويلة من الزمن، حيث بدأنا في الحلقة الأولى من نهاية القرن الهجري الثالث إلى أن وقفنا في الحلقة العاشرة عند القرن الثامن الهجري،...
كان المشروع الصليبي أطولَ المشاريع المعادية للأمة عُمرا وأكثرَها استنزافا لطاقتها وإرهاقا لها، وقد استمر فترة طويلة من الزمن تعاقبت على حربه دولٌ إسلامية كثيرة حتى قدَّر الله سبحانه أن تكون نهاية وجودهم كإمارات وحكام...
تُعتبر مرحلة الأيوبيين ما بعد «صلاح الدين» من أهم مراحل الصراع بين المشروع الإسلامي والمشروع الصليبي الذي أبى أن يَفتُر أو يستسلم؛ بل شنَّ أربع حملات متتاليةً وشرسة. والحقيقة أن «صلاح الدين الأيوبي» بما تميز...
بوفاة الملك الناصر «صلاح الدين الأيوبي» رحمه الله عام589هـ يكون قد مضى على بدء ملحمة صراع المشاريع مرحلة زمنية كبيرة نسبياً تقارب الثلاثة قرون، وذلك إذا قدَّرنا بداية الصراع بظهور أول دولة للمشروع الباطني وهي...
يستمرصراع المشاريع ليتجاوز القرون من الزمن، والأمة من حرب إلى حرب، ومن صراع إلى صراع، تسطر ملحمة حضارية حافلة بالانتصارات والهزائم والأفراح والآلام توجتها البطولات التاريخية التي قادتها إلى نصر حضاري قبل أن يكون عسكريا...
قال المؤرخ ابن الأثير: «طالعتُ سير الملوك المتقدمين فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبدالعزيز أحسن سيرة ولا أكثر تحريا للعدل منه، وهو أول من ابتنى دارا للعدل وكان يجلس فيها أربع مرات أسبوعيا...