الخميس 20 رجب / 04 مارس 2021
 / 
06:39 ص بتوقيت الدوحة

منظار امرئ القيس

د. زينب المحمود
عميقاً في الجاهلية الأُولى، حيث عقر دار الجاهلية، وغَيابة جُبِّها، ومتاهة غسقِها، بعيداً إلى الوراء، حيث لا وراء للشعر الفصيح إلا قليلاً، يصوّرُ لنا امرؤ القيس بمنظاره الجلي مشاهد خاصّة، فيقرّبُها إِلى متناول أَعيننا حتى نراها، وإلى مدى أَسماعنا حتى نسمعَها، وإلى أُفق جوارحِنا حتى نتحسسَها، ويشتبه علينا؛ أَحَضَرْنا هذه المشاهد أَم حضَرَتْنا. في المكان القصي الذي اعتزل فيه الشاعرُ قومَه. وكما هو مسمًى في قصيدتِه «دارة جُلجُل»، يقيم امرؤ القيس مأدبة للعذارى فيعقر مطيّته، ويقتربُ منظاره الفصيح أكثر ليناظر العذارى وهنّ يأتدمْنَ من لحمها وشحمها، فيقول:
فظلّ العذارى يرتمين بلحمِها
وشحمٍ كهدّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتّلِ
من قرأَ هذه الكلماتِ، فقد حضَر تلك المأدبة بما فيها، ورأَى شحم الذبيحة المترهلِ كأَنه الحريرُ المنسدلُ، فما أَقربَ هذا المشهدَ من ذاك! وما أَشبهَ هذه الصورة بتلك! وقليلٌ من العدسات الفصيحة ما يمكنُها التقريبُ إلى هذا الحد، إلا إن كان الشاعر ذاته يريدُ تصويرَ مشهدٍ آخرَ للأُسودِ التي أَغرقها السيلُ المنحدر:
كأَن السباعَ فيه غرقى عشيّة
بأَرجائه القصوى أَنابيشُ عُنصُلِ
عندما أَقلعت السماءُ، وبلَعَت الأَرضُ، وغِيضَ الماءُ، بقيت جيفُ بعضِ الأُسود مرمية في جوانب الوادي، كأَنها غراسُ البصلِ البرية المقتلعة من جذورها، ولعل الأَسدَ، باللُّبْدَة حول رأسهِ وقد غشيَهُ الماءُ، أَقربُ ما يكونُ صورة إِلى غرسة عنصلٍ مقتلعةٍ، وقد نفشتْ جذورُها المليئة بالأَتربة كرأس الأَسد.
الجاهلية بعيدة عنا بُعدَ القمر، والمنظارُ المتاح هو الشاعر وأَدواته اللغوية والبلاغية، فهناك منظارٌ مُشوّشٌ، وهناك منظارٌ يرينا ملامحَ القمرِ بواحاً. فلينظر أَحدنا بأَي منظار ينظر إلى مفردات عصره، وقيمه وواقعه، لعل ذلك يصوّب كثيراً من الأُمور، ويغيّر كثيراً من الوقائع تغييراً يعود بالنفع على الفرد نفسه وعلى مجتمعه.

اقرأ ايضا

مدارس روضة راشد

14 أكتوبر 2018

الرّبابُ والشعر

10 نوفمبر 2019

فضيلة

03 سبتمبر 2017

«جامع الكلم»

26 مايو 2019

جنّة أبي تمّام

21 يونيو 2020

يا صديق العمر

23 أبريل 2018