الثلاثاء 5 ذو القعدة / 15 يونيو 2021
 / 
05:12 م بتوقيت الدوحة

لحظات الإبداع

د. زينب المحمود
الإبداع ذاك الطيف العصيّ على الوصف، لا يسَعُه إلا الحروف، فيكون حماماتِ شعرٍ يطلقُها شاعر، فتتخذ من القلوب مطارات وسكنًا، وقد يتبخر فيكون دخانًا يطارده المبدع صباحًا مساءً.
الأفكار المبدعة لا تأتي إلا في الأوقات الجيدة؛ كأن تركَبَ بحر الشعر لحظة الإشراق، أو أن تخطط لعمل علمي وأنت لم تسترِح بعدُ من خوض لجة عمل علمي سابق، وقد يكون الإبداع لوحة تُرسم أو فكرة تدوَّن أو موقفًا موفَّقًا في لحظة صعبة.
الإبداع يحتاج إلى انتباه، ففي زحمة العمل قد تعنّ الفكرة، وقد يحتاج المبدع إلى خلوة، وبعدٍ عن الضوضاء، وفِي كل حال يحتاج إلى قلمٍ وورقةٍ، ولربما احتاج إلى تفكير مقلوب.
إذا كنت سارحًا سائحًا، فلا تنسَ تقييدَ أفكاركَ. وإذا حدَّقتَ في لوحة أو استمعت، والليل ساج، لموسيقى تعشقُها أو شعرٍ تنفعل معه، فدوِّنْ أفكارَك. فإن هذه الأفكار ستكون في لحظة ما عنوان مرحلة من مراحل حياتك، أو مادة مشرقة تملأ فراغ حياتك، وإن سارت بين الناس فستنير درب كثير منهم، وستكون إطارًا ملهمًا لعدد آخر، ويكفيك حينها فخرًا أن تكون صاحب هذا الأثر، ومنبعه.
اللحظات الإبداعية لا تضيع، والفكرة الصغيرة قد تنتج مشروعًا كبيرًا، والتجديدُ بابٌ من أبواب الإبداع، وما أحسن ما قاله أحد الشعراء:
إِني أُفكـِّــــر في ذاتــــي وفِي قَلمـــي
وفِي قراطيس تجلو لوعة الندمِ

ولحظات الإبداع لا تتكرر، وإن تكررت فستكون في زمن مختلف، ولهذا الزمان انعكاساته على تلك الفكرة، فلذلك، فعلًا، لحظات الإبداع لحظات ثمينة، فاستجمع فيها قواك، واحفظ ما تمليه عليك تلك اللحظات، لا تستبدل تلك المنحة بأي عمل آخر، فغيرها سهل المنال، وهي عزيزة.
لذلك أختم بقولي إن ما يمنحه الله لنا بعد نعمة العقل، فكرة عظيمة، وهمة عالية، نستطيع من خلالهما تحويل تلك الأفكار إلى حقيقة ملموسة نفيد فيها ونستفيد، ونساهم في بناء الحضارة والإنسان، ونكون فعلًا خير مستخلفين فيما استخلفنا الله فيه، ونكون ممن يبني تاريخه بخير ما يبنى بناء، ونترك بعد رحيلنا أثرًا جميلًا طيبًا، يقول لكل العابرين هذا ما تركه فلان بن فلان. فلنحسن استثمار لحظات الإبداع هذه خير استثمار، علّنا نكون ممن يدوّن اسمه في سجل الخالدين.

اقرأ ايضا

نونيّة الرندي

01 مارس 2020

درس الصيام

02 يونيو 2019

يا صديق العمر

23 أبريل 2018

كن ظافراً

24 يونيو 2018

أمرٌ عجيب!

24 يوليو 2016

عالم البوتقة

07 مايو 2017